صباح الاثنين المقبل (30 آذار) يتسلم أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رئاسة القمة العربية السنوية في دورتها الحادية والعشرين، من رئيس الدورة السابقة بشار الاسد.
ومن المتوقع ان تنقلب الادوار أثناء انعقاد القمة المقبلة بحيث يغيب نجم قمة دمشق العقيد معمر القذافي، ويحل مكانه تسعة ملوك ورؤساء كانوا قاطعوا القمة السابقة.
ولكن الحضور المكثف لا يلغي الاختلاف على هوية قمة الدوحة التي وصفها الكاتب جميل مطر بأنها "قمة البند الواحد". أي قمة التعامل العربي مع ايران، خصوصا ان مشاركة الرئيس احمدي نجاد في القمة الخليجية سنة 2007 لم تقتصر على قيامه بدور الرقيب مثل فنزويلا واريتريا، وانما تعداه في منافسة الاعضاء المؤسسين على رسم طريق مستقبل الدول العربية. وحجة الرئيس الايراني ان ميثاق الجامعة يجب ان يُعدّل بعد مرور 64 سنة (وضع في آذار 1945) بحيث تصبح الهوية الجغرافية والدينية هي الطاغية. وهو يرى أن الدور الذي تضطلع به بلاده ينسجم مع أهم قرارات ميثاق الجامعة، وأن التزام ايران تطبيقها يتخطى التزام رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. فالقرار الخامس من الميثاق والخاص بفلسطين ينص على شرطين جعلتهما طهران عنوانا لكل حملاتها ضد اسرائيل، الأول يدعو الى وقف الهجرة اليهودية، والى العمل على تحقيق استقلال دولة فلسطينية. والثاني يرفض حل مسألة يهود اوروبا بظلم آخر يقع على عرب فلسطين.
البند الثاني في هذه القمة يمكن أن يخصص لبحث اشكالات القرار الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية، واحتمالات توقيف الرئيس السوداني عمر البشير المتهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم في حق الانسانية. ومن المؤكد ان ميثاق الجامعة العربية لم يلحظ هذا الموضوع لأن المحكمة الجنائية الدولية لم تنشأ إلا حديثاً، ولأن مسألة فض المنازعات الأهلية لم تسترع انتباه مشرعي الميثاق. وكان الرئيس السوداني قد اخترق جدار الحظر وزار الرئيس مبارك في القاهرة للتشاور معه حول فكرة عقد مؤتمر دولي عن أزمة اقليم دارفور. كما طلب منه النصح حول سفره الى القمة، متحدياً بذلك قرار المحكمة وانتهاكات المقاتلات الاميركية التي شنت هذا الاسبوع غارة على قافلة شاحنات محملة بالأسلحة الى شرق السودان. وكان رئيس وزراء قطر الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني قد حمل الى البشير دعوة المشاركة في قمة الدوحة، علماً بأن دولا غربية طلبت من حكومة قطر عدم استقبال الرئيس السوداني.
نائب الرئيس السوداني علي عثمان طه يرجح ان يكون موقف بلاده من جرائم اسرائيل في فلسطين، هو الدافع وراء قرار المحكمة الدولية. وهو مقتنع بأن "الموساد" عاد ليجدد دوره النافذ في الجنوب منذ فشل مشاريع الوحدة الدستورية مع الشمال. وفي تصور خبراء النفط أن اقليم دارفور يعوم على بحيرة من النفط والغاز، وان اهتمام الدول الكبرى بمحاسبة المسؤولين عن حوادث القتل والتهجير، ليس اكثر من ذريعة لوضع اليد على الثروات المدفونة تحت الارض.
مهما اختلفت الاسباب والمبررات، فإن قمة الدوحة مضطرة لمراجعة قوانين المحكمة الجنائية الدولية وطريقة تعارضها مع دور محكمة العدل الدولية. كما هي مضطرة ايضا الى بحث المعايير التي تسمح بمعاقبة دولة ليست عضوا في النظام الاساسي مثل السودان… ولا تسمح بمقابة اسرائيل المتهمة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية وجرائم ضد الانسانية. كل هذا لأنها تعتمد على الفيتو الاميركي لعرقلة صدور قرار مماثل لقرار ادانة السودان، علماً بأن الصحافة الغربية أبرزت أدلة موثقة عن استهداف الطواقم الطبية في غزة، اضافة الى عربات الاسعاف والمستشفيات. وقد تضمن تقرير الأمم المتحدة معلومات كاملة عن الانتهاكات في غزة، الأمر الذي دعا وزارة الخارجية المصرية الى التحقيق في الجرائم البشعة التي ارتكبها جنود اسرائيل.
البند الثالث المطروح في هذه القمة يتعلق بمستقبل مشروع الدولتين والانسحاب من الجولان، في ظل حكومة يمينية متطرفة يقودها بنيامين نتنياهو وأفيغدور ليبرمان. وقد انضم اليهما زعيم "حزب العمل" ايهود باراك، بناء على نصيحة رئيس الدولة شمعون بيريس. ومعنى هذا ان الحكومة الائتلافية ستستمر في تنفيذ مشروع تهويد القدس والعمل على إخلاء منازل القدس الشرقية، ولو أدى ذلك الى الاصطدام مع ادارة أوباما.
هذا، وكانت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون قد حذرت من التمادي في هدم منازل فلسطينيي القدس الشرقية، معتبرة ان هذه الانتهاكات تنسف خطة بناء الدولتين و"خريطة الطريق". وردت عليها وزارة الخارجية الاسرائيلية بكتاب رسمي ادعت فيه ان أوامر الهدم تمت المصادقة عليها في المحكمة العليا، وان ما تثيره كلينتون هو مشكلة سياسية لا قضائية.
بعد تأجيل الاتفاق الفلسطيني – الفلسطيني الى ما بعد قمة الدوحة، استغلت أجهزة الدفاع الاسرائيلية هذه الفرصة للبحث في امكان تجديد مفاوضات السلام مع سوريا. ونقلت صحيفة "صنداي تايمز" عن مصادر مسؤولة في تل ابيب، ان رئيس "الموساد" مئير داغان ورئيس الاستخبارات العسكرية عاموس يادلين، نصحا نتنياهو بضرورة عقد اتفاق سلام مع دمشق. وحجتهما ان التفاوض يضع سوريا في موقع المحايد في حال اشتد النزاع بين اسرائيل وايران حول البرنامج النووي. وبما ان فرص السلام مع الفلسطينيين معدومة في المستقبل المنظور، فان مبادرة السلام مع سوريا ترضي اوباما المراهن على فتح حوار مع دمشق وطهران.
وفي حديثه الى صحيفة "لا ريبوبليكا" الايطالية، اعلن الرئيس بشار الاسد عن ابتعاد حظوظ السلام عقب وصول التيار اليميني المتطرف الى الحكم في اسرائيل. وقال الاسد ان هذا التيار يمثل حاجزا امام السلام بعد ان اقتربنا من تحقيقه قبل العدوان على قطاع غزة. واشار في حديثه الى مناقشة مبادرة السلام العربية اثناء قمة الدوحة، ملمحا الى احتمال تعليق هذه القضية في انتظار ظهور شريك اسرائيلي جاهز للحوار والتفاوض على اساس مرجعية مؤتمر مدريد والقرار 242.
امام هذا الخيار، يتوقع المراقبون الا تقبل حكومة نتنياهو بتقديم تنازلات في الملف الفلسطيني، الامر الذي يعطي "حماس" المبرر لتفجير انتفاضة ثالثة ربما تحرق بنيرانها نفوذ "فتح" في الضفة الغربية. ويتوقع المراقبون ان تزداد العلاقات الاسرائيلية – التركية سوءا، على خلفية حرب غزة وموقف رئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوغان منها، وبما ان ادارة اوباما ستشعر بالعجز امام تصلب حكومة نتنياهو فان معاقبتها ستكون بتحسين العلاقات مع سوريا.
ويستدل من الزيارات التي قام بها الى دمشق رئيس لجنة الخارجية في مجلس الشيوخ جون كيري مع وفود أخرى من الكونغرس، ان العلاقات بين البلدين بدأت في التحسن. والدليل ان اوباما لم ينتظر الضوء الاخضر الاسرائيلي كي يرفع العقوبات عن دمشق، ويسمح لشركة "بوينغ" باصلاح طائرتين مدنيتين تابعتين للشركة الجوية السورية.
البند الرابع في قمة الدوحة يتعلق بدور العراق بعد انسحاب القوات الاميركية، وبالمطالب الملحة التي سيقدمها الرئيس جلال طالباني من اجل اعادة فتح السفارات في بغداد وشطب الديون المستحقة. ويرى المراقبون ان اتصالات الرئيس العراقي مع رؤساء الوفود، ستركز على ضرورة نشر اجواء آمنة مستقرة ، تشجع الاميركيين على الانسحاب المبكر. وهذا يقتضي تعاون الجارات مثل سوريا وايران والسعودية والاردن، بحيث يعود العراق الى لعب دوره السابق داخل المجموعة العربية. وقد اعرب وزير خارجية سوريا وليد المعلم عن رغبة بلاده في تحقيق طلب طالباني، مؤكدا رفع مستوى التعاون كي يشمل مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والامنية.
وتتناول الصحف الاميركية مبادرة اوباما حيال ايران بكثير من الحذر، لأن طهران اشترطت اجراء تراجع شامل عن سياسة العزل والحصار. كما اشترطت تأخير فتح المكتب الديبلوماسي الى ما بعد فترة الاختبار المقدرة بستة اشهر. وهي فترة كافية لتمرير الانتخابات المقررة في شهر حزيران والاستعداد للدخول في مرحلة بلورة سياسة اميركية جديدة تشمل آسيا والشرق الاوسط. وربما احتاجت طهران الى هذه الفترة ايضا بهدف استكشاف آفاق السياسة الخارجية الروسية ومدى التزام موسكو بتنفيذ التعاون العسكري الذي وقعه وزير الدفاع مصطفى محمد نجار. وهي تتخوف من احتمال تجميد صفقة صواريخ (300 –S) التي كانت مدار بحث طويل بين الوزير سيرغي لافروف والوزيرة كلينتون. لذلك ترى أنه من الحكمة تأجيل قرار التعاون على حل مشكلتي العراق وافغانستان. الى حين ظهور التحول المحوري في العلاقات الروسية – الاميركية.
وكانت صحيفة "نيويورك – تايمز" قد ذكرت بأن زيارة الوزير نجار لموسكو، انتجت عقودا عدة بينها عقد ينص على انشاء شبكة نظام دفاعي مشترك تؤمن حماية المفاعل النووي في "بوشهر". ويبدو ان رئيس الوزراء بوتين مصر على استمالة كل الجمهوريات السوفياتية السابقة، اضافة الى جارات اخرى مثل ايران. وهو يعير هذه الجارة الثرية اهتماما خاصاً لأنها تنعش اقتصاده المتعثر وتضيف الى ما جمعه في سنوات الطفرة (150 مليار دولار) اكثر من عشرة مليارات ثمن اسلحة. وفي ضوء ممارسة توثيق روابط دول الجوار بروسيا، يعوض بوتين عجزه عن شراء النقود نقدا بافتعال حروب اقليمية ربما تساعده ايران على تنفيذها.
في ضوء هذه الاعتبارات يتطلع المشاركون في قمة الدوحة الى اهمية المصالحات العربية – العربية التي اطلقت اللاءات الثلاث في قمة الخرطوم، ومنعت دول الجامعة العربية من الانشطار الى كتلتين. وربما تكون احداث غزة الدامية المحفز الآخر لاطلاق الانتفاضة الثالثة التي تعتبر الرد الاقوى على تقطيع اربع سنوات اضافية ادعى نتنياهو بأنه سيصرفها للقيام بعمل مسلح ضد المنشآت النووية الايرانية، لا فرق أكان ذلك بمساعدة الولايات المتحدة ام من دونها…
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
"النهار"




















