ببساطة كلية، ما بثّه التلفزيون السوري، أول من أمس، لم يكن اعترافات خاصة بالتفجير الذي استهدف دمشق في السابع والعشرين من أيلول الماضي، بل كان مجرد إعادة فنية لفيلم طويل شاهده اللبنانيون على مدى أشهر، مع انطلاق حرب نهر البارد، وهدفه ربط تنظيم «فتح الإسلام »الإرهابي بـ«تيار المستقبل» ومن خلاله بقوى الرابع عشر من آذار.
وإذا كان «الفيلم المركب» الذي سماه التلفزيون السوري اعترافات الشبكة التي «أقدمت» على تفجير السيارة المفخخة في منطقة السيدة زينب، هدفه إشاعة الدهشة لدى جمهور تنقصه المعلومات الدقيقة، فإن اللعبة السياسية الجنائية تجلت بعيد بث الفيلم واشترك فيها، للأسف الشديد، من لبنان كل من أحمد موصللي والعميد المتقاعد أمين حطيط، بطريقة لم تُظهر أن الأول متخصص بشؤون التنظيمات الإسلامية ولا الثاني خبير بالشؤون الاستراتيجية.
كل شيء كان مركباً. ثمة من يؤكد أن السيناريو بدأت كتابته في اللحظة التي تسلمت فيها المخابرات السورية صورة عن محضر التحقيقات اللبنانية الخاصة بما سُمي شبكة عبد الغني جوهر، فيما التصوير والمونتاج انطلق تحديداً قبل خمسة عشر يوماً.
العارفون بخفايا ملف «شبكة البحصاص» يؤكدون أن المرور السطحي على موضوع تفجير دمشق في نهاية الفيلم المركب، لا يعدو كونه استنساخاً لما يتضمنه التحقيق الأولي في قضية تفجير الحافلة العسكرية في طرابلس في الثامن والعشرين من أيلول الماضي.
ولعل المفارقة لا تكمن بالآمر الموجود في مخيم عين الحلوة، بل في الدور المنسوب سورياً الى عبد الغني جوهر.
كيف ذلك؟.
في الفيلم المركب، يظهر بأن السيارة التي انفجرت في دمشق، صباح السابع والعشرين من أيلول الماضي، تمّ توفيرها، بواسطة السرقة (!) في السادس والعشرين منه، أي قبل يوم واحد، وقد تولى تفخيخها جوهر بالذات، الذي سيعود في صباح اليوم التالي لتفجير دمشق، ويظهر مفخخاً ومنفذاً لتفجير طرابلس.
ولا عجب، فمع المخابرات السورية، كل شيء جائز، فالإنسان يمكن أن يكون في أكثر من مكان في وقت واحد، والأرنب يمكن أن يعترف بأنه هو… الحمار المطلوب القبض عليه.
ومن هنا يمكن البدء بقراءة السلوكية المخابراتية السورية التي لم تتخل بعد عن نمطية التلطي وراء فيلم للتضليل… فالعقل الذي أنتج أحمد أبو عدس، ورواية لؤي السقا التي أحبطتها السلطات التركية، فهسام طاهر هسام، لا يزال… هناك.
ولأن هذا الفيلم لا يخرج عن السياق العام، فلا بد من التدقيق بأهدافه.
من يُدقق بالتسريبات المخابراتية السورية، منذ ثلاثة أشهر حتى اليوم، يُدرك أن النظام السوري بات على اقتناع تام بأن لجنة التحقيق الدولية قد توصلت الى معرفة الكثير عن انتماء من أقدم على قيادة «فان» ميتسوبيتشي الذي انفجر بموكب الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
النظام السوري، وقبل لجنة التحقيق الدولية بطبيعة الحال، يعرف من هو هذا «الانتحاري» ومن أين تمّ الاستحصال عليه، ويعرف ماذا يعرف أحمد مرعي الذي لا يريد جميل السيد مواجهته، وتالياً فهو أصبح أمام مهمة عاجلة جداً: فصل نفسه نهائياً عن المجموعة التي تمّ تأطيرها ضمن ما يسمى بتنظيم «فتح الإسلام».
وجاء «فيلم الاعترافات»، حتى لا نقول تفجير دمشق معه، ليوهم بأن النظام السوري هو كالرئيس الشهيد رفيق الحريري ضحية المجموعة التي انتجت «انتحاري» الرابع عشر من شباط 2005.
ومن هنا، يمكن فهم السبب الذي جعل الفيلم يحمل عنواناً لمضمون آخر. العنوان هو اعترافات مفجري دمشق، ولكن المضمون هو براءة المخابرات السورية من «فتح الإسلام»، وتورط «تيار المستقبل» به.
وهذا هو الدور الذي لعبه الى جانب «أبطال الفيلم »كل من أحمد موصللي بنظريات الممانعة والوهابية والأسرلة والأمركة، وأمين حطيط، الذي كاد يبكي على الهواء السوري الجنرالات الأربعة «المعتقلين زوراً» مطالباً بمحاكمة «تيار المستقبل»، ملاقياً بذلك ما سبقه إليه أحد النواب السوريين الذي كان في الاستديو، من حيث اعتبر أن «تيار المستقبل» ومعه قوى الرابع عشر من آذار كرعاة لبنانيين لـ«فتح الإسلام» وبالاشتراك مع الرعاة العرب لهذا التنظيم الإرهابي، وجّهوا أعماله نحو سوريا بعدما فشلوا في استثماره في مواجهة «حزب الله».
ومن يريد أن يعرف حاجة النظام السوري الى هذه الخبطة الدعائية والسياسية والمخابراتية، يفترض أن يعرف حقائق عدة ثابتة ومنها الآتي:
أولاً، إن أحمد مرعي المكلّف من جودت الحسن، مسؤول المنظمات الإسلامية في المخابرت العسكرية السورية، رعاية شؤون أعضاء «فتح الإسلام» في لبنان، كان كلما أراد، بعد الانسحاب السوري، العبور الى لبنان من سوريا، يضع سيارته الرباعية الدفع «أنفينيتي» في مركز المخابرات السورية على الحدود اللبنانية السورية.
ثانياً، إن غالبية قيادات تنظيم «فتح الإسلام» خرجت من «المعتقلات» السورية قبل انتهاء محكوميتها «بعفو رئاسي» (لاحظوا أن ميشال كيلو، «مجرم التعبير عن الحاجة الى تغيير ديموقراطي هادئ»، لا يزال معتقلاً على الرغم من قرار قضائي مبرم بالإفراج عنه)، وتمّ تشغيلها بداية على خط العراق، ليعاد تأهيلها في مراكز «فتح الانتفاضة »في سوريا وتمريرها الى لبنان حيث استلمت في «انقلاب أبيض» مراكز «فتح الانتفاضة» وأسلحتها وخيراتها!
ثالثاً، إن مدير المخابرات في الجيش اللبناني السابق العميد جورج خوري أكد، ثلاث مرات، أن «فتح الإسلام» تنظيم له ارتباطات وثيقة بالمخابرات السورية كما بتنظيم القاعدة.
وبالعودة الى «فيلم السهرة» السوري يتضح بشكل لا لبس فيه أن شاكر العبسي لم يكن مرتبطاً بتنظيم القاعدة، بل إنه، وفي أثناء وجوده في مخيم البداوي، المحطة الانتقالية بين مخيم نهر البارد وسوريا، حاول ربط نفسه بطريقة أو بأخرى بتنظيم القاعدة، ولكنه لم يعرف الطريقة المناسبة الى ذلك، وعلى هذا الأساس كان قبوله الاجتماع بعبد الباقي محمود الحسين الملقب بـ«أبو الوليد»، فمن سمّاه التلفزيون السوري المسؤول الأمني في تنظيم فتح الإسلام تمّ تقديمه لشاكر العبسي على أساس أنه عضو في تنظيم القاعدة!
ولعل إعادة قراءة أو مشاهدة ما نطق به أبو الوليد، «بطل الفيلم السوري»، تسمح لكم باكتشافات كثيرة، أبرزها الآتي:
أولاً، تمحورت أحاديث أبو الوليد مع شاكر العبسي «الغاضب في مخيم البداوي من مصير نهر البارد» حول ربط «فتح الإسلام» بالقاعدة، وكان «أبو الوليد» يوهم العبسي بأن الأمور تسير بصورة طبيعية، ولهذا بدأ العمل على إعادة تنظيم «فتح الإسلام»، قبل أن تسترد سوريا «أمانتها».
ثانياً، إن أبو الوليد، الذي كان «لولب» الفيلم السوري، لم يأتِ الى لبنان، لا مجاهداً ولا مقاتلاً، بل مراقباً، فهو بمجرد وصوله الى طرابلس، مع اندلاع معارك نهر البادر، كانت لديه القدرة ليفتح «ميني ماركت»!
وهاتان النقطتان لا تفيدان بأن شاكر العبسي كان، على إثر هزيمة نهر البارد يبحث عن ملجأ، لدى تنظيم القاعدة الذي يجهله، فحسب بل تبيّنان بأن أبو الوليد كان مكلفاً بمهمة مخابراتية سورية لدى العبسي.
وبالفعل فإن التدقيق مع اختصاصيين إسلاميين بطريقة التعبير لدى أبو الوليد تُثبت بأنه «بعثي أباً عن جد» ومخابراتي محنّك مشبّع بالشعارات المعهودة لدى النظام السوري، والأدلة على ذلك كثيرة ومنها:
أولاً، يتحدث ويتحدث، من دون أن يذكر آية قرآنية واحدة أو حديثاً شريفاً واحداً، في حين أن الإسلاميين بالكاد يمررون جملة من عندياتهم، فهم يتمسكون بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي يعتبرونها المرتكز الشرعي لسلوكياتهم، وبمراجعة المحققين الأمنيين والقضائيين يتأكد هذا السلوك اللفظي لدى المنتمين الى أي تيار إسلامي.
ثانياً، بالنسبة لأبو الوليد، فإن من عمل معهم، هم شباب، وليسوا أخوة أو مجاهدين، ومن قضوا على الحدود السورية العراقية أو في مواجهات مع الأمن السوري، هم قتلى وليسوا شهداء.
ثالثاً، حرّض أبو الوليد ضد «مموليه»، بطريقة مخابراتية معهودة، فالأموال ـ قال ـ ترسل تحت قناع الفقراء والأعمال الخيرية، من خلال رجال أعمال أو جمعيات خيرية.
رابعاً، تشديده على أن النظام السوري هو نظام معاد لفتح الإسلام، بحيث يسجن كوادره ويقتلهم على الحدود العراقية السورية، وذلك غداة الإنزال في منطقة أبو الكمال.
خامساً، الإرشاد المعادي للمنظات الإسلامية في كل تعابيره، فهو يصفهم بالمتشددين، وهو ينهي كلامه كما الفيلم بدعوتهم الى تخيل من يمكن أن يكون من أهلهم ضحايا في تفجير مماثل، في حين أن البعد العقائدي لدى الإسلاميين قد تخطى هذه الظاهرة الضميرية المدنية، منذ زمن طويل.
ولعلّ قمة الإنكشاف لدى أبو وليد بأنه رجل مخابراتي سوري، تجلّت في تأكيده بأنه تظاهر بقبوله «تأمير»ابو محمد عوض على فتح الإسلام، لأنه كان يريد أن يطلع على مخططات عوض، على اعتبار ثقته المطلقة بأن الأمير الجديد، مصر على تنفيذ عمل تفجيري، في دمشق!
وحول هذا الشخص بالذات تمحور كل «الفيلم السوري»، الذي ظهر فيه «المعترف» موجهاً أو كما قال أحد المحققين السابقين: بدل أن يكون خائفاً من «كم كف»، كان مصوره خائفاً من «كم كف».
أما جميع الباقين، فكانوا «ديكور». حتى وفاء إبنة شاكر العبسي كانت مدعوة الى حفلة كلام على «تيار المستقبل» والشيخ داعي الإسلام الشهال والجماعة الإسلامية.
وفاء العبسي، هي نفسها تلك الإبنة« الصادقة» التي جزمت في مستشفى طرابلس بأن الجثة التي تمّ عرضها عليها تعود الى والدها… قبل أن تُكذبها نتائج فحص الحمض النووي.
ولم ينته هذا الفيلم الدعائي الرديء، الذي أُُعطي زوراً عنواناً جنائياً، عند هذا الحد، لأن من يعيد قراءة الرواية عن الصعوبة التي تمكن فيها «شباب» هذا التنظيم «الوهابي» و«السلفي» و«الأصولي» من تمرير مائتي كيلوغرام من المواد المتفجرة من لبنان الى سوريا لاستخدامها دفعة واحدة في عملية واحدة، ويقارنها مع حمولة شاحنة من المواد الناسفة التي جرى عرضها علينا، يُدرك أن النظام السوري هو نظام التلفيق بامتياز، حيث تسود ثقافة احتقار ذكاء الآخر.
وفي الختام، فإن هذه السلوكية السورية فتحت الباب على مجموعة من الأسئلة والوقائع، فأي تنظيم يمكن أن يُرسل انتحارياً ليُفجّر نفسه في شارع عام طالما أن الحل يتوافر بركن السيارة وتفجيرها عن بعد؟ وأي تنظيم يعاني من شح في المواد المتفجرة يمكن أن يستعمل هذا الكم من المواد في عملية بلا هدف واضح؟ ولماذا غاب كل ذكر، مجدداً، لوجود ثكنة الدوريات التابعة لفرع فلسطين في المخابرات العسكرية السورية؟
على أي حال، أمام هذا الكم من التضليل الاستهدافي، لا يعود مستحيلاً تخيّل أن التفجير قام به فرع فلسطين، في سيناريو مدروس هدفه الوصول الى روح الحريري الأب و… رأس الحريري الإبن.
"المستقبل"




















