«المئة عام القادمة»، «العالم عام 2020 »، «تاريخ مختصر للعالم عام 2050 »، هذه عينات من عناوين سلسلة طويلة من الكتب عرفتها رفوف المكتبات الغربية خلال السنوات أو الأشهر، بل وبالنسبة لبعضها، الأسابيع الأخيرة.
وفي خضمّ هذه الموجة تطلع علينا وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «السي. آي. ايه» بتقرير ـ كتاب يقارب عدد صفحاته الـ 200 صفحة وتحاول فيه الإجابة على السؤال التالي: ماذا ستكون عليه صورة العالم عام 2025؟ هذه القراءات لاستشراف المستقبل يلتقي بعضها حول عدد من النقاط، لكنها تُجمع كلّها على أن منطقة الشرق الأوسط هي البؤرة التي ستعرف أكبر التوترات وبالتالي الانفجارات المحتملة في أفق السنوات والعقود القليلة القادمة. و«السيناريوهات» المقدّمة تؤكّد كلها على النقاط التالية:
ـ ستبقى منطقة الشرق الأوسط ذات أهمية استراتيجية استثنائية بالنسبة للعالم بحكم مصادر الطاقة.
ـ سيكون مستقبل المنطقة مرتبطا بالسياسيات التي سينتهجها قادة بلدانها، في اتجاه أو آخر.
ـ ستبقى القضية الفلسطينية هي ذات أهمية مركزية في وعي شعوب المنطقة. ومن هنا سيكون لمسيرة السلام تأثيرها المباشر فيما ستؤول إليه الأوضاع في الشرق الأوسط.
ويقدّم استراتيجيو السي آي ايه، من جهتهم، عدّة «سيناريوهات» لمستقبل الشرق الأوسط في أفق العقدين القادمين. والأكثر تفاؤلا بينها تلك القائلة أن نموا اقتصاديا متزايدا وراسخا يلوح في الأفق حيث ستتعاظم الاستثمارات في المنطقة بالتوازي مع تبنّي سياسات تربوية واجتماعية وانفتاح سياسي ستتم ترجمته في تشكيل أحزاب من كل المشارب والاتجاهات «المعتدلة»، كما يحدد واضعو التقرير القول.وبالإجمال تقول هذه القراءة المتفائلة إن أصحاب القرار في بلدان الشرق الأوسط سوف يحاولون جديّا تهدئة النزاعات المحليّة والإقليمية.
وهناك «السيناريو الأكثر تشاؤما» القائل إن منطقة الشرق الأوسط ستكون في أفق عام 2025 بحالة من تزايد النزاعات الإقليمية وعدم الوصول إلى حلول للنزاعات القائمة حاليا. بالتوازي سيزيد تشبّث الأنظمة الاستبدادية بالسلطة مع تصعيد قمعها في كل الاتجاهات. هذا كلّه في ظل تزايد كبير في عدد السكان مما سيسارع في استنزاف ثروات البلدان.
وفضلا عن «سيناريوهات» التفاؤل المفرط والتشاؤم المفرط وما بينهما يقدّم واضعو التقرير الأميركي «نصائح» ـ مفيدة رغم مصدرها ـ من أجل مستقبل أفضل للمنطقة.
نقرأ بالحرف ما مفاده: «سينبغي على حكومات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بغية تحقيق الحد الأقصى من تثمير إمكانياتها إلى الحد الأقصى من النمو، تحسين منظوماتها التربوية بحيث تمتلك قوة عمل أكثر تأهيلا على الصعيد التقني وتشجيع مواطنيها الذين تأصّلت فيهم نزعة البحث عن فرص العمل في القطاع العام على الاستجابة لمستلزمات العمل في القطاع العام مع ما ينطوي عليه هذا من عدم استقرار». مثل هذا النهج يدفع إلى الذاكرة المقولات الشبيهة التي سادت في بلدان شرق آسيا عند ولوجها طريق ازدهارها قبل عدّة عقود من الزمن.
وتتم الإشارة هنا إلى أن انخراط أعداد كبيرة من الشباب المؤهلين في سوق العمل قد يكون عاملا مشجعا من أجل فتح الأبواب أمام توسيع هامش الديمقراطية. نقرأ في التقرير:«هناك بلدان هامة في شمال إفريقيا مثل مصر والمغرب والجزائر وليبيا وتونس قد تستطيع إقامة مثل تلك الرابطة بين النمو السكاني والديمقراطية من الآن وحتى أفق 2050.
لكن ليس واضحا إذا كانت أنظمتها تريد استثمار هذه الإمكانية في زيادة هامش الحريّة السياسية». بكل الحالات يتم التأكيد أن قدرة دول الشرق الأوسط على تطوير اقتصادها ومتابعة إصلاحاتها السياسية ستتعلّق بجزء كبير منها بنجاح الجهود الرامية إلى إيجاد حلول للنزاعات المحليّة وتبني إجراءات ترمي إلى تعزيز استقرار المنطقة.ويؤكد استراتيجيو السي.آي. أيه على مسألتين أساسيتين سيكون لهما، حسب رأيهم، تأثيرا كبيرا على المنحى الذي ستأخذه الأوضاع في الشرق الأوسط خلال العقدين القادمين. ويحددان هاتين المسألتين بـ «السلام في الشرق الأوسط» و«تطوّر إيران».
بالنسبة للمسألة الأولى يتم التأكيد على أن السلام سيساهم في توسيع نطاق «الخطاب الإيديولوجي والسياسي» ليشمل مختلف الدوائر والمشارب العقائدية منها أو الدنيوية. ذلك أنه سوف يلغي «نهائيا» الحجج التقليدية التي يتم استخدامها لكبح الحريّات ولتخصيص ميزانيات عالية للدفاع. هذا إلى جانب المساهمة في » تخفيف التوترات الإثنية والطائفية في المنطقة».
أمّا بالنسبة للمسألة الثانية المتعلّقة بـ «تطوّر إيران» فلعلّها بيت القصيد فيما يراد طرحه في هذه الرؤية المستقبلية لمنطقة الشرق الأوسط، وكأنها «رسالة موجّهة» بين الرسائل الموجّهة الأخرى. نقرأ: «إن التطوّر الذي ستشهده إيران قد يكون له تأثير مستدام على المنطقة، لما هو أفضل وما هو أسوأ».
يتم الحديث في هذا السياق عن إمكانية «انتقال محفوف بالغموض والخطر» لإيران من موقع «المعارض الإقليمي» إلى موقع «المفاوض ذي النفوذ».
وتتم الإشارة هنا إلى أن إدراك إيران لمصالحها المشتركة مع الغرب، في العراق وأفغانستان مثلا، وكذلك إدراكها لإمكانية تحقيق تقدّم في مسيرة السلام بين إسرائيل والدول العربية قد يُضعف الروابط بينها وبين سوريا. وهذا ما يرى فيه واضعو التقرير مصدر تشجيع لطهران بمقدار ما هو ضغط عليها كي تعيد تقييم دورها في المنطقة. لكن من الملفت للانتباه أنه لا كلمة في التقرير عن الرؤية الأميركية لما ستكون عليه طبيعة الدولة في العراق ونموذج مؤسساتها.
وعلى قاعدة منطق الترغيب والترهيب يتم الوصول إلى القول إن جملة الظروف قد تدفع باتجاه مراجعة طهران لمواقفها بهدف «تلطيف العقوبات الأميركية والدولية» المفروضة عليها. رسالة موجهّة أخرى مع العنوان الصريح.
في المحصّلة، إذا كان واضعو هذا التقرير يؤكّدون على قدرة العالم تجاوز المشاكل «الجدّية» المتمثلّة في إمكانية شحّ مصادر الطاقة والماء في أفق عام 2025، فإنهم لا يترددون في القول إن منطقة الشرق الأوسط «ستبقى الأكثر حساسية في العالم ». ويقولون أيضا إن مستقبلها مرهون بما سيفعله فيها أبناؤها، وخاصة أصحاب القرار منهم. إنها حقيقة واضحة مثل الشمس في يوم ربيعي مشرق. لكن ماذا سيفعل «أبناؤها»؟
كاتب سوري ـ باريس
mohaklouf@yahoo.fr




















