بدأ التجاذب بين الولايات المتحدة واسرائيل، وهذا أمر جيد. فالذي أعتقده انه من مصلحة اسرائيل مواجهتها بعيون ناقدة. فاسرائيل اليوم اقل امناً، وأقل وداً من جانب واشنطن على اثر احداث 11 ايلول 2001، وظهور الأطراف التي لا تخطئ أبداً. والنقد الذي وجه لحكومة يمين الوسط برئاسة نتنياهو أتى من جهة غير متوقعة، من جهة هيلاري كلينتون. وقد تطورت كلنتون من سناتور عن نيويورك (مع علاقاتها الخاصة باللوبي هناك) الى وزير خارجية وممثلة لمصالح الولايات المتحدة. وهذه المصادفة لا تحدث كل مرة مع اسرائيل. وقد سمعت ان كلينتون صدمت بما شاهدته في الضفة الغربية في الشهر الماضي. وهذا ليس أمراً مفاجئاً، لأن الاحتلال الاسرائيلي تطور من ادارة عسكرية الى مستوطنات وحوائط شائكة فإلى السور العراقي.
وفي الواقع، فان زيارة الضفة الغربية ليست سهلة ولا مرغوبة وسط كل هذه العوائق. ووحدهم المستوطنون هم الأحرار والمستمتعون. واذا كان هناك شيء يؤثر في كلنتون فهو هذا الامر الانساني. فالضفة الغربية محاصرة ومخترقة وحافلة بالمستوطنات على رؤوس التلال، واذا كنت تريد ان تعرف، ما هو الاستعمار الاستيطاني، فالضفة هي البداية الصالحة لذلك، وأكثر الاسرائيليين لا يرون تلك المشاهد، الا اذا كانوا في الجيش. وقد شاهدت كلنتون ذلك. وقد فهمت انها كانت منزعجة من هذه الاهانة لكرامة الانسانية من حولها.
لقد انذرت كلينتون نتنياهو بالخروج من التفاصيل والهوامش الى اصول المسائل المتعلقة بازالة الاحتلال، وصنع السلام. وهذا مع نتنياهو واليمين، الذي لم يعترف بعد بحل الدولتين. وقد كان هناك رد واضح من مساعدي نتنياهو قالوا ان اسرائيل لن تتحرك قيد أنملة باتجاه السلام ما لم تجر ازالة الخطر الايراني، النووي، والانتشار الايراني بالمنطقة. وأنا لست موافقاً على الربط بين الملف النووي الايراني والسلام مع الفلسطينيين؛ لكن من جهة ثانية فان المطلوب لا ان نهدد ايران، بل نرى كيف نجلبها الى طاولة المفاوضات. وعبر ستة عشر عاما في مدريد وأوسلو وأنابوليس، كان هناك جهد لابعاد ايران. وما ساعد ذلك في الماضي، وهو لن يساعد الآن. ولذلك فان الذكاء يكمن في كيفية تفعيل المفاوضة لسلام الشرق الأوسط، والخوض في الوقت نفسه مع طهران في مفاوضات. ولذلك فمن المهم الآن ان يعرف نتنياهو انه لا مهرب من التفاوض على السلام، وهذا يعني وقف بناء المستوطنات.
وأوصت كلينتون ايضا بتغيير اتجاه حماس، وقد كانت وزارة الخارجية الأميركية تعتبرها جماعة ارهابية. فقالت وزيرة الخارجية من جهة ان الولايات المتحدة لن تسمح بوصول اموال من تبرعاتها الى حماس، وقالت من جهة اخرى انها تريد ان تبقي الباب مفتوحاً لاحتمال تشكيل حكومة وحدة فلسطينية تكون حماس مشاركة فيها. وذلك على ان تلبي حكومة الوحدة ثلاثة شروط: رفض العنف وحق اسرائيل في الوجود ـ والموافقة على احترام الاتفاقيات السابقة. وفي هذه الحالة تدفع الولايات المتحدة 900 مليون دولار التي تبرعت بها لفلسطين. فقد تعاملت الولايات المتحدة مع حكومة لبنان ولحزب الله 11 من 30 وزيراً فيها، رغم اتهامها للحزب بالارهاب.
وهذه المقاربة التغييرية اجدى من المقاربة السابقة التي لم تؤثر ولم تنجح. ذلك ان السلام لن يتحقق ما دمنا نتجاهل حماس ونعتبرها غير موجودة.
ونعرف ان هذا الأمر سوف يغضب اسرائيل، رغم انها تتعامل مع حماس من خلال مصر. ولا معنى للاشتراط على حماس الاعتراف باسرائيل قبل التفاوض. ولاسرائيل تجارب في ذلك منذ العام 1948. ولذلك اعتقد ان كلنتون اخطأت عندما قالت بضرورة معاقبة ايران بقسوة ان لم تنجح المفاوضات النووية. ولذلك فان نصيحتي لايران: راقبوا ما تقوم به واشنطن، فان اوباما هو الذي يقود السياسات تجاه طهران. وهذه المقاربة من جانب أوباما سوف تغضب حزب الله وحماس، وفي الوقت نفسه توسع الهوة مع اسرائيل.
(واشنطن بوست،28/4/2009)




















