لعله من الأخبار التي لا تعني نسبة ساحقة من السوريين خبر مقتل زعيم داعش الذي كان قد اتخذ اسم أبو إبراهيم الهاشمي القرشي. ها نحن نكتب زعيم “داعش” اختصاراً بلا حسابات وحساسيات، مثلما نكتب “قسد” اختصاراً للاسم الكامل، والآن ربما لا يعرف معظم الفلسطينيين ما هي التسمية الكاملة التي يختصرها اسم حركة “فتح”. تنظيم الدولة، عندما كانت له سلطة على مناطق واسعة في سوريا، كان له رأي آخر لذا كان يعتقل كل من يستخدم تسمية “داعش” التي يرى فيها انتقاصاً أو إهانة. حسناً، ليست مصادفة أن البعض يستخدم تعبير “تنظيم الدولة”، فلا يخطئ لمرة ولو بداعي السرعة أو كزلّة لسان ليستخدم تسمية داعش التي شاعت عالمياً ودخلت في القواميس.
نستطيع بسهولة إعادة صياغة الخبر ليكون: قُتل زعيم تنظيم الدولة في عملية أمريكية، حسبما أعلن الرئيس الأمريكي الذي يحتاج إلى إنجاز ما لدعم حزبه في انتخابات الكونغرس المقبلة، وقُتل في العملية ستة أطفال تطايرت أشلاؤهم في أرجاء الطابق الثاني الذي قصفته طائرات أمريكية مسيَّرة، ويقول شهود عيان أن منظر جثثهم شديد القسوة، وطريقة تطاير الأشلاء توحي بأن مقتلهم أتى بقصف من الخارج لا بتفجير انتحاري من الداخل. جدير بالذكر أن بلدة أطمة الحدودية تحتوي مخيمات للاجئين من إرهاب الأسد، يعيشون فيها في منتهى البؤس أمام سمع أمريكا والعالم وبصرهم، وفي وسع الطائرات الأمريكية لو شاءت أن تقصف رأس الإرهاب بشار الأسد.
في إعادتنا صياغة الخبر لا يستطيع أحد اتهامنا بإبداء أدنى تعاطف مع داعش، فاستخدام “تنظيم الدولة” هو تقني وفيه أمانة للاسم الأصلي، والتوقف المطوّل عند مقتل الأطفال هو واجب إنساني بحت، والتذكير بمأساة اللاجئين من إرهاب الأسد هو واجب يمليه الضمير أيضاً، وكذلك هو تقريع العالم لأنه لا يعاقب الأخير بوصفه رأس الإرهاب. لكننا نعلم أن تبريرنا الأمر على هذا النحو هو كذب، لأن التركيز على أجزاء صحيحة من الخبر، وإبراز معطيات أخرى صحيحة ليست أصلاً جزءاً منه، هما من أساليب توجيه المتلقي حيث نريد. يبقى أن يُنشر الخبر بهذه الصياغة على وسائل التواصل ليأتي معلِّق ويفسّره هكذا: “طبعاً، أمريكا هي رأس الإرهاب في العالم، وقواتها تقصف زعيم داعش السني رغم أن تنظيمه لم يقتل سوى نسبة بسيطة بالمقارنة مع جرائم بشار النصيري”. ليأتي بعده فوج من المثنين على رأيه، والذين بمحض المصادفة أثار فيهم الخبر “الحيادي” شجون مظلوميتهم!
كنا في غنى عن التوضيح والتبسيط السابقين، لكن يبدو أنهما ضروريان لتفنيد التحاذق المكشوف، والذي للأسف يجد له سوقاً بين أنصار ما بات يُعرف بالمظلومية السنية. وكان كاتب هذه السطور قد تعرض للهجوم بسبب مقاله “انتهت غزوة غويران ولم تنتهِ ملحمة غويران”- المنشور في “المدن” قبل أسبوع، وبعض الذين ظنوا أنفسهم معنيين بنقد الخطابات التي تخدم داعش استخدمَ أساليب لم تخلُ من تحريض رخيص.
عموماً، ثمة خلط نصادفه بوفرة، ليس اعتباطياً أو ناجماً عن سوء فهم دائماً، هو الخلط بين الظلم والمظلومية. المظلومية، ونحن نتحدث عن المعنى السائد لها لا القاموسي، ناجمة عن ظلم ما وعن مجموعة من الأفكار والخيالات المتمحورة حول هذا الظلم، إلا أنها ليست الترجمة الحتمية للإحساس بالظلم، بل لا نخطئ بالقول أنها الترجمة الأسوأ والأخطر على أصحاب المظلومية أو على جماعات أخرى، أو على الاثنين معاً.
في إحاطة سريعة؛ المظلومية هي نتاج الإحساس بالظلم، وبالوقوع ضحية تآمر واسع غاشم، وبأن العالم غير عادل خاصة مع هذه المجموعة، وبأن الظلم لن يُزاح عنها ما بقي العالم على هذا الحال، وما لم تمتلك القوة لفرض هيبتها في عالم يسحق الضعفاء. عادة، يأتي الطفيليون ليتعيشوا على تعزيز إحساس الجماعة بأنها استثنائية بمظلوميتها، وبأن أحداً ما لم يتعرض للغبن الذي تلقاه، وأنها هي نفسها في تاريخها لم تضطهد أية مجموعة أخرى، لأن الاستثناء من طبيعة المظلومية، فلا يستقيم لأصحابها رؤية أنفسهم في سياق قديم أو حديث من الضحايا.
هؤلاء الطفيليون يأتون بالمقارنات الصحيحة شكلاً لإثبات ذلك الاستثناء، من نوع الهجوم الأمريكي على زعيم داعش وغض البصر عن جرائم بشار. ما يبدو صحيحاً شكلاً، بل بديهياً، يكفيه لحظة تفحص لينكشف تهافته في السياسة، فواشنطن سبق وتركت داعش يتمدد حتى قام بذبح رهينة أمريكي. أيضاً، واشنطن لم تزعم في أي وقت أنها دخلت سوريا لإحقاق العدالة، وعدوها هو داعش الذي ذبح مواطنها والذي نفّذ عمليات إرهابية ضد مدنيين في مدن أوروبية عديدة. أما بشار الأسد فهو، بتعبير صفيق وعديم الرحمة للرئيس الفرنسي، قد ارتكب جرائم في حق “شعبه”. التحليل الذي يقول أن الاستبداد مولِّد للإرهاب لا متسع له في السياسات الدولية، وهو أيضاً ناقص إذ لا يركز إطلاقاً على الخدمة التي يقدّمها الإرهاب للاستبداد ودوامه.
في أمثلة متعينة على المظلومية، أقدمها انتصاراً في المنطقة المظلومية اليهودية، وهي بمعظمها ذات جذر أوروبي، إلا أنها حُلَّت على حساب الشعب الفلسطيني، وتحولت الضحية إلى جلاد. للصهيونية ودولتها ميزة أنها عدوانية أو متوحشة إزاء الفلسطينيين، لكنها ديموقراطية لأبنائها، ما يجعلها تمتاز عن مظلوميات أخرى. لنأخذ المظلومية الشيعية التي انتهت في إيران إلى ثيوقراطية الملالي، ويدفع الإيرانيون يومياً ثمن استبدادهم بينما يدفع الجوار ثمن شهيتهم للتوسع تحت شعارات الثأر الطائفي.
اليوم، المظلومية الكردية جاهزة لتبرير انتهاكات مسد وقسد، في حق العرب السنة وفي حق الأكراد المخالفين أيضاً مع حفظ الفوارق بينهما، ولا ندري ما سيكون عليه الحال لو لم تكن هذه المنظومة حريصة على صورتها أمام الغرب. في الجانب الآخر، المظلومية العربية السنية جاهزة لتبرير كافة انتهاكات الفصائل تجاه أكراد عفرين، وأصحابها لا يظهرون حساسية بارزة إزاء انتهاكات الفصائل في أماكن أخرى عربية، وعلى رأس ذلك فرض أنماط متشددة من التدين على السكان.
هذه الأمثلة جميعاً تقول أن المظلومية والخطابات المرافقة لها لا يمكن إلا أن يؤديا إلى تشريع ظلم لاحق، وعلى الأغلب لن ينجو أبناء المظلومية نفسها من ظلم قادتهم أو من تسلقوا على مظلوميتهم ليصبحوا قادةً. لذا، بقدر ما يكون الوقوف مع الضحية ضد الظلم واجباً أخلاقياً بقدر ما يكون الوقوف ضد بناء المظلومية تعبيراً عن ضمير نزيه وصاحب حساسية إزاء الظلم الحالي والظلم المقبل. بهذا المعنى، الدفاع عن العرب السُنة هو دفاع عنهم عندما يكونون ضحايا، لا لأنهم عرب ولا لأنهم سُنة.
الإنسانية الزائفة هي انتقائية بطبعها، على مثال أولئك الذين يرون بعدسة مكبِّرة مقتل الأطفال في عملية اغتيال القرشي الأمريكية، ولا ينتبهون مطلقاً إلى أن الذي نذر نفسه للقتال “كائناً من كان” يتوجب عليه حماية أقرب المدنيين إليه بالابتعاد عنهم. نستحضر هنا ما قاله مناضل معتقل، يُنظر إليه كرمز للسلْمية، في اجتماع للمعارضة عندما بدأت العسكرة ضد بشار الأسد، فقد قال أنهم كهيئة معارضة لا يستطيعون تبني خيار العنف، وهو ينصح مَن يريد المضي فيه بقرار شخصي أن يؤمّن عائلته بعيداً عن انتقام الأسد وأن يتخفى جيداً. نضيف أن من لا يحرص على أقرب المدنيين إليه لن يحرص على حيوات مدنيين آخرين، من دون أن نسترجع سجل القرشي وإسهاماته في إرهاب تنظيمه.
ليس كاتب هذه السطور من اخترع مقولة أن تنظيم القاعدة ثم داعش تعبير عن المظلومية السنية، فهذا التحليل موجود بأقلام أكثر من أن تحصى، والحديث في المقال السابق المشار إليه كان عن “موجة” مناصِرة لداعش، وقت هجومه على السجن في الحسكة، وكان يربط الموجة بمنطق النكاية بقسد، ولا يرى أن هذا المنطق فيه سياسة، فوق أنه منطق المظلومية لا منطق معاداة الظلم وكافة أنواع الإرهاب. لقد انتهى ذلك المقال بتوجيه النقد إلى أولئك المصرين “باسم المظلومية” على الانتحار بمسدس داعش “أو ما يشبهه”، وفي المغزى أنه انتحار للضحايا الفعليين، لا لأولئك المتسلقين على فكرة المظلومية وعلى إثارة الغرائز.
“المدن”


























