كان الحدث يوم الاربعاء في 29 من الشهر الماضي، يوم اطلاق المسؤولين الامنيين الاربعة، هؤلاء الغنيين عن التعريف من فرط شهرتهم الأمنية، والذين كانوا معتقلين بأمر من المحقق الدولي، وتمّ الافراج عنهم بأمر من قاضي الإجراءات التمهيدية في المحكمة الدولية. فالحدث ليس الإفراج بحد ذاته، فلهذا مسار قضائي دولي بحت، بل تحول الحدث بفعل ما جرى ورافق عملية الافراج الى أمر آخر، احتل هو مركز الصدارة مساء ذلك اليوم. تحول الى تلك الاحتفالات المدبرة والصاخبة التي أعلن فيها "حزب الله" إحتضانه الكامل لهؤلاء الامنيين الاربعة، و بشكل خاص ورئيسي لواحد منهم ألا وهو المدير العام السابق للامن العام اللواء جميل السيد بصورة مفاجئة، لا سابق لها، مما انسى الناس المتابعين لما يجري على شاشات التلفزة امر الافراج واحواله، ليتساءلوا وسط حالة الذهول والاندهاش، عن اسباب هذا الاحتضان والتبني الكاملين للرجل المحتفى به.
كان المشاهدون الذين أذهلهم هذا الاستقبال المعد والمدبر، يزدادون تعجبا كلما اكتشفوا نائبا او مسؤولا سياسيا رفيعا من "حزب الله" يحتشد بين الحضور، حتى بدا كما لو ان كل الحزب كان يتحضر لحفل الاستقبال، كانوا نوابا كثرا، مع رئيس كتلتهم النيابية، رئيس المكتب السياسي للحزب مع مسؤولين حزبيين اخرين رفيعي المستوى، وباجمال الصورة، كان هناك معظم رموز الحزب وشخصياته في حفل استقبال هذا الخارج من سجنه.
وعليه صار السؤال لا عن سبب الإفراج المفاجئ للضباط المشتبه بهم، بل عن سبب هذا الإحتفاء الغريب، بكل ما ينطوي عليه من تساؤلات عن مراميه السياسية وخفايا أسراره.
إذ، لم يسبق ان نظم "حزب الله"، حتى للأسرى المحررين من السجون الاسرائيلية (عدا الاستقبال الرسمي في المطارات وعند الحدود) احتفالا من هذا النوع، حشد فيه الكثير من كبار شخصياته ورموزه، كما في إستقبال اللواء السيد. ومن يعرف الحزب يعرف ان كل خطوة يخطوها وكل تفصيل يقوم به، انما هو صادر بحكم تكوينه التنظيمي الصارم بأمر وبقرار اتخذ بعد دراسة وتفكير، وليس صدفة او حماسة أو ردّ فعل.
لقد عومل الرجل بالصورة التي وصفناها، وكأنه واحد من كبار قادة "حزب الله"، وليس مجرد ضابط صديق او حليف، واذا ما اخذنا ما اظهره المشهد بكل تفاصيله، مقياسا، لبات بالإمكان القول، إنه يأتي في المرتبة الثانية بعد القائد العسكري السابق للحزب الشهيد عماد مغنية.
لم يكن لمنظمي هذه الحشود والمهرجانات، امام كثرة التساؤل عن اسباب هذا الجهد اللافت والمستغرب، وامام تساؤلات شريحة واسعة من المواطنين حتى من مؤيديهم، إلا الإقرار بانهم هم من نظم واخرج هذا الامر حتى بأدق تفاصيله، من لحظة خروج الضباط من سجنهم إلى المواكبة الرنانة والمرافقة والسيارات والحشود التي كانت في الانتظار والكلمات التي القيت… الى اخر ذلك، حتى وإن تم تبرير كل هذا الاحتضان الكبير بأنه يأتي في سياق اعادة اعتبار للضباط الذين "ظلمهم" القضاء اللبناني والدولي، بعدما احتجزهم وسجنهم حوالى الاربع سنوات من دون وجه حق، ومن دون اي مسوغ قانوني او دليل مؤكد، أو بالأحرى تهليلاً لإنصاف العدالة، بعد أن رفض القضاء الافراج عنهم، حتى بعد ان تهاوت روايات شهود الزور التي على اساسها تم توقيفهم.
وتناسوا ان هذا القضاء الذي امر بتوقيفهم هو نفسه الذي امر بالافراج عنهم، كما أغفلوا كل ما اقترفته ايدي هؤلاء الضباط وهم على سدة السلطة التي كانوا يديرونها بحق الأبرياء من اعتقالات تعسفية واغتيالات وتصفيات وقمع حريات والتدخل في شؤون الناس الخاصة والعامة والتحكم بإدارات ومؤسسات الدولة التربوية والجامعية، حتى بات لكل وزارة ومديرية ضابط يديرها على هواه ليتحكم من خلالها بمصالح المواطنين وحقوقهم، فلم يتركوا مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني من احزاب ونقابات وجمعيات، الا وسعوا لترويضها والسيطرة عليها. وهم بذلك، أرادوا الاستفادة مما اعتبروه تبرئة لهم في ما يتعلق بقضية اغتيال الرئيس الحريري ليبرؤوهم من كل آثار تاريخهم الاسود وليعيدوا صناعتهم من جديد، كأبرياء أطهار لا ناقة لهم بما جرى، فلم يرتكبوا اية معصية او خطيئة، وفاء لديون مستحقة كبيرة وكثيرة بعضها معروف…، والمخفي اعظم، لعلّ هذا يمهد السبيل لادوار مرسومة لبعض المفرج عنهم، قد يتولونها استكمالاً لادوارهم السابقة.
إن هذه القراءة الاولى لمشهد خروج الضباط الاربعة من سجنهم، لا يقتصر فهمها على حدث الإفراج بذاته، لاسيما أنها ترافقت مع حملة مسعورة ضد القضاء اللبناني والدولي من قبل ما يعرف بجماعة سوريا التي ملأت ذاك المساء، شاشات التلفزة، كما لو أنهم أمام لحظة تاريخية "أين منها إستعادة فلسطين". فالحملة التي شنها أزلام النظام الأمني، تنم عن نيات تكاد أن تفصح عن الأهداف التالية:
-1 نسف كل المقومات الاساسية للمشروع الاستقلالي والسيادي لقوى 14 اذار والذي تمثل بعنوانين رئيسيين، الاول رفض هيمنة النظام الامني اللبناني – السوري الحامل والحامي لمشروع نسف السيادة والاستقلال الوطني. والثاني قيام المحكمة الدولية من أجل إظهار حقيقة من اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ولوقف الاغتيال السياسي و الارهاب المنظم كوسيلة للغلبة والهيمنة ولحماية النظام الديموقراطي والحياة والسياسية من التقويض الأمني.
-2 الشروع في المرحلة الثانية من مشروع قوى 8 اذار للاستيلاء على الدولة بالغصب والقوة، بعد أن أتموا المرحلة الاولى المتمثلة بفرض الثلث المعطل بقوة السلاح، بعد غزوة بيروت في السابع من ايار الماضي.
هكذا راح سياسيو قوى 8 اذار ومنظروها يرددون، أن لا وجود لمقولة النظام الامني السوري – اللبناني، وبأن لا وجود حقيقيا لهذا النظام، الا في مخيلة الطرف الآخر فهو من إخترعه خدمة لمشروعه السياسي، وبأن الامر برمته لم يخرج عن اطار التنسيق الامني بين دولتين مستقلتين ومن ضمن آليات عمل المؤسسات؟! اما كل الوقائع والمعلومات والتي يعرفها القاصي والداني عمّن حكم فعلياً البلد، طوال فترة الوصاية، وكيف كان يعيّن النواب والوزراء ومعظم رجالات الدولة، ومن ادار المؤسسات الامنية وارتكب كل ما ارتكب، والسرد طويل ومديد في هذا الباب، فيريدون من الناس ان تتناسى كل ذلك وتصدق مزاعمهم المزيفة، وهم لا يهتمون بما لدى الناس من اقتناعات ورؤى وهذا إستخفاف بالعقول، المهم ان يجدوا حججا ينطلقون منها لمتابعة مخططاتهم.
وعلى عكس ما كان عليهم إستخلاصه من عملية الافراج عن الضباط، بإعتباره دليلا قاطعا على استقلالية المحكمة الدولية وحياديتها وموضوعيتها والتزامها بالقوانين الدولية ورفضها لاي تسييس، وبان الخطأ في تمديد فترة التوقيف في حال حدوثه، قد يكون ناتجا عن اختلاف القوانين اللبنانية عن معايير قانون المحكمة الدولية، وعن عدم وضوح الادوار والصلاحيات المتشابكة والمتقاطعة بين المحلي والدولي. وفي أسوء الحالات، الإقرار والتسليم بوقوع خطأ يجب العمل على تجنبه،فهذا لمن كان حريصا حقاً على المحكمة الدولية ومعرفة الحقيقة والاقتصاص، من القتلة. أما هم فقد إنتقلوا بعد أن دأبوا على إعاقة عمل المحكمة وعرقلة تشكيلها، طوال أربع سنوات إلى الرفض الصريح والعلني لها، عبر رفض اي قرار تتخذه مستقبلا، لا يلائمها او لا يصب في مصلحتها ومصلحة حلفائها. وحجتهم في ذلك، عملية التوقيف الاحتياطي للضباط الذي أعتبر بمثابة جريمة لا تغتفر وخطيئة كبرى، يترتب عليها الطعن بالمحكمة الدولية من جهة، والتشكيك بالقضاء اللبناني من جهة ثانية، فالحجج هذه المتاحة توفر فرصة مؤاتية للإنقضاض على حصن القضاء في النظام اللبناني.
واذا كان موقف قوى 8 آذار من المحكمة الدولية ليس بالجديد، وهي التي عملت منذ ان ظهرت فكرة الدعوة لتشكيلها، للحيلولة دون قيامها تارة عبر الدعوة لقيام لجنة تحقيق عربية رغم علمهم علم اليقين، استحالة قبول اية دولة عربية بالفكرة لاسباب كثيرة، اهمها الخوف من اشتداد النزاعات العربية وارتداد ذلك على امن الدول العربية نفسها، ثم عبر محاولات التعطيل المشهورة والتي ترافقت مع كل خطوة في مسار تشكيل المحكمة، الذي ترافق مع خطاب لفظي عام يدعم مبدئية قيامها، الا ان مباشرة المحكمة اعمالها واقتراب موعد استدعاء الشهود والمتهمين، دفع بتلك القوى الى اعلان حقيقة موقفها المتمثل برفض كلي للمحكمة، ومن ثم المباشرة بالهجوم عليها، لاسقاطها عبر التشكيك بصدقيتها، ورفض الاقرار بقراراتها.
اما القضاء اللبناني، الذي يتعرض لاشد الهجمات شراسة تحت الحجج والمزاعم نفسها التي تعرضت لها المحكمة الدولية، فان المطالبة بمحاسبة ومعاقبة القضاة، يتطابق تماما مع ما جرى مع المؤسسة العسكرية، بعد احداث كنيسة مار مخايل فالهدف منه أو بالأحرى يراد منه تحطيم معنويات القضاء في سياق رفع الغطاء الشرعي عن عمل القضاة والقضاء الذي مازال يشكل محل إجماع اللبنانيين المتفقين على ضرورة صون المؤسسة، كونها تشكل أركان الدولة الحديثة، وذلك بغية تطويع أمر القضاة بالكامل لكي تتحقق خطوة أساسية في مشروع الإستيلاء على الدولة.
وأظن أنه في الاسابيع والاشهر المقبلة، سيحتل هذان الموضوعان قائمة الهجمة الجديدة لقوى 8 اذار، وعليه، على معارضيها وعلى ما تبقى من مؤسسات الدولة التي لم تسلّم امرها لهم، خاصة أنه من المتوقع أن ترتفع وتيرة التصعيد بعد الانتخابات النيابية وفي ضوء نتائجها، مما سيحوّل المحكمة إلى ما يشبه قميص عثمان، من أجل ممارسة الضغوط السياسية بدايةً، وصولاً إلى إستعمال العنف، وللعنف اشكال متعددة منها السياسي ومنها العسكري، لاخضاع الآخرين واجبارهم على الانصياع لمشروعهم الاستيلاء على الدولة، وهذه المرة بتكريس الثلث المعطل بصورة ابدية وصولا الى المثالثة والفيديرالية.
ولنتذكر 7 ايار الماضي، ما قبله، وما بعده. وندعو الله، ان يحمي لبنان من عبث العابثين وان يمد قوى 14 اذار بعناصر التماسك والصمود، فالمخاطر الاتية اكبر من تلك التي مضت.
(استاذ في الجامعة اللبنانية مسؤول القطاع التربوي في "تيار المستقبل")
"النهار"




















