بات الاتفاق النووي وشيكاً وفقاً للمشاركين في مفاوضات فيينا، ومنهم الجانب الإيراني. وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان تحدث عن تفاؤل حيال نتائج المحادثات، وعن الإرادة الجادة لفريق الرئيس إبراهيم رئيسي “لتحقيق صفقة جيدة مع الجانب الآخر”. وفي شأن التوقيت، تحدث الوزير الإيراني عن القدرة على “التوصل إلى إتفاق في غضون ساعات أو أيام قليلة إذا تمت معالجة بعض القضايا”.
في حال توصل المشاركون الى اتفاق سريع، كما تُوحي التصريحات، ما هي الانعكاسات على مناطق النفوذ الإيراني ومنها لبنان؟
بداية، ليست هناك حتى الآن أي تسريبات حيال البحث في الملفات الإقليمية، وهو مطلب للولايات المتحدة وحلفائها كانت إيران رفضته بشكل قاطع، على الأقل علناً. صحيح أن نجاح المفاوضات والاتفاق وبنوده، قد يفتح الباب أمام تسهيل المفاوضات الإقليمية ومنها الجولة الخامسة المرتقبة بين الجانبين السعودي والإيراني في بغداد. إلا أن هذه العملية قد تستغرق وقتاً كي تصل الى مرحلة تُؤثر فيها على الملف اللبناني، إذ أن أولوية الرياض قطعاً في الملف اليمني الأكثر أهمية بالنسبة لها.
الانعكاس الإقليمي الأبرز سيكون في نتائج الاتفاق، تحديداً لجهة توفيره عشرات مليارات الدولارات للخزينة الإيرانية، وبشكل غير مباشر لحلفاء طهران ووكلائها في المنطقة، ولصراعاتهم ومشاريعهم السياسية. وفي هذا السياق تحديداً، كلام مباشر لمرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي في حديث له مع مجموعة من أهالي مدينة تبريز قبل أيام قليلة (بتاريخ 17/2/2022)، عن صمود الشعب الإيراني واستقامته كي “يصل بالبلاد إلى هنا” (أي للاتفاق)، منتقداً “أولئك الذين يلهجون بالاستسلام مقابل الاستكبار، وبالاستسلام مقابل أمريكا”. “استقامة” الشعب الإيراني أثّرت في المنطقة أيضاً، وفقاً لخامنئي، إذ “ترون اليوم حركة المقاومة في دول المنطقة في تنامٍ، وأبّهة أمريكا وأبّهة الاستكبار في المنطقة انكسرت، وصارت الشعوب جريئة وانطلقت ألسنتها ضد أمريكا وضد حركة هؤلاء”.
عملياً، الموقف الإيراني هو أن طهران انتصرت على الحصار الأميركي والحملة الماضية، ومعها حلفاؤها في المنطقة، وهي ستواصل سياستها الإقليمية إن لم يك بزخم أقوى نتيجة ارتفاع مستوى القدرات المالية بعد تراجعها خلال الفترة الماضية. هناك استمرار للسياسة الماضية، وما ينسحب عليها لجهة عدم الاستسلام للمطالب الأميركية، ما زال سارياً.
في المقابل، أدلى رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت بموقف واضح من الاتفاق المرتقب، باعتباره “أضعف وأقصر” (زمنياً مما كان عليه لدى إبرامه عام 2015). بالنسبة لبينيت، ستحصل طهران مقابل الاتفاق على عشرات مليارات الدولارات، و”سيصل إلى الإرهاب في المنطقة، وسيعرضنا ودولاً أخرى للخطر، كما سيعرّض القوات الأميركية في المنطقة للخطر … إسرائيل تستعد لليوم التالي في جميع الأحوال، وعلى كافة المستويات، كي تحافظ وتحمي أمن مواطنيها بقوتها الذاتية”.
هذه النظرة الإسرائيلية حيال الاتفاق، كونه يُمثل تهديداً، يفترض وقوع أعمال استباقية في الفترة اللاحقة لما سمّاه بينيت “اليوم التالي” للتوقيع. كما أن الحديث عن كون الاتفاق موقتاً وليس دائماً، أيضاً يعني أن إيران ستُحاول استخدام المال لتعزيز موقفها وحلفائها استعداداً لجولة لاحقة بعد سنتين ونصف السنة وهي الفترة المتبقية لولاية الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن.
ومثل هذا الترقب لما يأتي لاحقاً، أيضاً يجعل الاتفاق هدنة ظرفية حُيّد فيها البرنامج النووي، وبقيت الأزمات الأخرى عالقة، لكنها لم تعد مرتبطة بالأراضي الإيرانية بل بالأقاليم الخاضعة لنفوذها، وأهمها لبنان.
هل يقصد بينيت بالاستعداد لليوم التالي، خطوات لاحتواء الآثار المرتقبة للمليارات الإيرانية على التوازن العسكري مع “حزب الله” في لبنان؟ حينها، قد تكون النتائج الأولى للاتفاق هي إبعاد شبح الضربة العسكرية عن الأراضي الايرانية، وإعادة احياء الوظيفة الأساسية لمناطق النفوذ، ومنها لبنان، بصفتها خط دفاع متقدماً لإيران في مواجهة خصومها.
“المدن”


























