حازم صاغيّة
سبق تصنيف 7 أيّار (مايو) «يوماً مجيداً من أيّام المقاومة» عدد من الأحداث اللبنانيّة البارزة: فعند إطلاق الأسير سمير القنطار وضعَنا «حزب الله» والمقرّبون منه أمام حدث تاريخيّ ونوعيّ له «ما قبل» و «ما بعد». لكنّ أياماً تقلّ عن أسبوع أعادت إدخال الحدث في العاديّة، بحيث بات أهمّ ما يتعلّق بالقنطار زفافه.
تكرّر الأمر مع إطلاق سراح الضبّاط الأربعة فتصبّبت شاشات التلفزيون عرقاً وهي تنقل عبارات الويل والثبور وعظائم الأمور. بيد أن انتهاء استقبال المهنّئين كان هو نفسه انتهاء الحدث الجلل. ومع إلقاء القبض على شبكات الجواسيس، جرت وتجري محاولات مبالغ فيها لتسييس التجسّس، لا يلبث أن يطلّ معها خطر تطييفه، راسماً للمضيّ في التسييس طبيعة غير مألوفة من قبل.
ترافق هذا، ويترافق، مع هجوم صريح ومرتفع النبرة ضدّ رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان، مفاده أن الأخير يسعى إلى «سرقة» بضعة نوّاب من كتلة ميشال عون، حليفة «حزب الله». ولئن كمن وراء الهجوم على سليمان شعور بضمور مفاعيل الدوحة و «التوافق»، كمن وراء الأحداث الباقية شعور باللاجدوى والأفق المسدود.
فلا الإضراب ولا الخيم ولا يوم 7 أيّار، ولا – حتّى – حرب تمّوز، غيّرت في التراكيب والتوازنات والمواقف. أبعد من هذا، جاء رفض الأكثريّة الحاليّة «التمتّع» بثلث معطّل، في حال التحوّل إلى أقليّة، ليقول إن المشاركة في السلطة، بالمعنى المطروح، لا تغري أحداً. ذاك أن العجز عن الحسم لا يعني المشاركة في التعطيل.
وتسمح المعطيات أعلاه، بغضّ النظر عن توازن القوى الإقليميّ، بافتراض يدفع الأمين العامّ لـ «حزب الله» إلى الجهر بالحقائق الأصليّة. فهو كان يعرف أن كلاماً كالذي قيل يدفع الطائفة السنّيّة إلى التكتّل وراء طرح جذريّ، بل يدفع سياسيّين سنّة حلفاء وأنصاف حلفاء لـ «الحزب» إلى التنصّل أو الردّ المشوبين بالحرج في «جماعتهم». وهو كان يعرف أن المطالبة بعدم نسيان 7 أيّار تنتمي إلى طريقة ثأريّة في تثبيت معادلة الانتصار والهزيمة بين طوائف البلد «الواحد». ولم يتردّد الأمين العامّ في استعراض قدرته على حكم بلد هو مئة ضعف لبنان (مع أن تجربة الضاحية الجنوبيّة تنمّ عن العكس)، مع ما ينطوي عليه ذلك من ذعر لا تملك الطوائف الأخرى إلاّ استشعاره.
والحال أن الكلام هذا إبن الإحساس بمأزق المقاومة و «اكتشافات» الواقع: ففي المرّة الأولى، عام 2005، سقطت أسطورة «الإجماع» اللبنانيّ حول المقاومة التي حيكت في دمشق. والآن، ومنذ 2007، راحت تتداعى أسطورة أن المقاومة وسلاحها مُعدّان للخارج الإسرائيليّ لا للداخل اللبنانيّ. وحين يستجيب هذا الداخل بالعزوف عن «التنسيق» و «المشاركة» مع المقاومة لا يبقى إلاّ ملاقاة هذه «الاكتشافات» في منتصف الطريق. فما قاله لسان نصر الله، وهو في ذلك محقّ تماماً لا تخالطه «الزلّة»، إن المقاومة هي، في النهاية، حرب أهليّة، أو احتمال حرب أهليّة. وهي، في هذا، لا تطمح إلى حلفاء من خارج طائفتها، فليذهب الجميع إلى طوائفهم ولينضووا فيها، ولننته جميعاً من زمن الألفاظ التي بات يستحيل قطافها في السياسة.
فإذا صحّ أن الأوضاع الإقليميّة تشجّع على مثل هذا «التصعيد»، تمّت أسبابه واكتملت.




















