بقلم فتحي درويش – غزه
انتهت الجولة الخامسة من الحوار الوطني الفلسطيني في القاهرة، والتي اقتصرت على مشاركة وفدي "فتح" و"حماس"، دون التوصل إلى اتفاق أو تحقيق اختراق جدي في القضايا المطروحة على طاولة الحوار. مما يعني أن الحوار بهذه الطريقة أصبح مضيعة للوقت، بل تحول الحوار الذي يفترض به أن يؤدي إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف الفلسطينية المختلفة، إلى أداة لتعميق الهوة وزيادة التباعد بين مواقف هذه الأطراف. وذلك لأن بعض الأطراف ذهبت إلى حوار القاهرة بموقف مسبق، ليس بهدف إنجاح هذا الحوار بل لتعطيله، في انتظار جلاء المواقف والتطورات الإقليمية والدولية، التي ستكون لها انعكاساتها على الساحة الفلسطينية والعربية عموما، وعلى الحوار الوطني الفلسطيني.
لكن الجديد في الجولة الخامسة، هو اللهجة المصرية الحازمة التي تحدث بها مدير المخابرات العامة المصرية اللواء عمر سليمان، الذي خاطب الطرفين المتحاورين قائلا: إنّ مصر دور وليست مجرد بلد ضيافة للحوار، وإذا لم يتم الاتفاق بين الفلسطينيين، سيجري فرض حل لإنهاء حالة الانقسام. وقد ابلغ سليمان "فتح" و"حماس" أن الاتفاق سيوقع في بداية تموز المقبل، "إذا رغبتم أم لم ترغبوا"، ومصر لن تسمح بفشل الحوار الوطني الفلسطيني. هذا الموقف الذي صدر عن اللواء عمر سليمان، يشكل بداية تحول في الدور المصري لحل الأزمة وإنهاء معضلة الانقسام الداخلي الفلسطيني، وانتقال هذا الدور إلى مرحلة متقدمة، يتم فيها تقديم اقتراحات وفرض حلول على الأطراف المتنازعة، بعدما كان مقتصرا على رعاية الحوار ومحاولة تقريب وجهات النظر. وهو أيضا يعكس بقدر ما، نفاد صبر القيادة المصرية من تلكؤ الفصائل الفلسطينية في الحوار، وعدم الوصول به إلى نتائج حاسمة، رغم مرور فترة زمنية كافية لإنضاجه وقطف ثماره، خاصة ان الوضع الفلسطيني لم يعد يحتمل المزيد من الهدر وتضييع الوقت. وكذلك لانعكاسات ذلك على الدور المصري المدعوم عربيا، والذي وضعت مصر كل ثقلها فيه وعملت جاهدة من اجل إنجاحه، رغم العراقيل والعقبات الاصطناعية التي تضعها بعض الأطراف العربية والإقليمية، لعرقلة هذا الدور وإفشاله، ومنع قيام مصالحة حقيقية بين الأطراف المتنازعين في الساحة الفلسطينية.
الفصائل الفلسطينية تدير الحوار بأريحية وراحة بال تامة، وكأنها ليست على عجلة من أمرها، وكأن لها أذانا صماء، لا تسمع آهات الثكالى والمشردين والأرامل، ومئات العائلات التي دمرت بيوتها جراء العدوان الإسرائيلي على غزة، وأصبحت تعيش الآن في العراء بلا مأوى، أو داخل الخيام التي نصبت قرب بيوتها المدمرة، ولا الضوضاء التي تحدثها الطوابير المزدحمة أمام مراكز توزيع التموين والمساعدات الإنسانية في غزه، والتي تكبر يوما بعد يوم بفعل الفقر والعوز المتنامي بين السكان.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن بقوة بعد بروز الموقف المصري الجديد، والتهديدات التي أطلقها اللواء عمر سليمان أمام قادة الفصائل هو: هل تستطيع مصر فرض حل على حركتي "فتح" و"حماس" لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية؟
والجواب هو نعم، إن مصر بما تمتلكه من قدرات و إمكانات قادرة على الضغط على الفصائل الفلسطينية المتنازعة لفرض هذا الحل، إذا تعاونت معها سوريا والاطراف العرب الآخرون لتسهيل دورها. والقيادة المصرية بما تمتلكه من خبرة وفطنة، قادرة أيضا على اختيار الطريق الأنسب لفرض الحل وتمريره، بحيث لايكون قسريا ويراعي مصالح كل الأطراف، ويلبي بالدرجة الأولى المصالح العليا للشعب الفلسطيني ويصون وحدته ويعزز قدرته على الصمود.
وأظن أن ملامح الحل المصري المنشود، سوف تستند بشكل رئيسي إلى التوصل إلى حلول وسط لكل القضايا المطروحة على طاولة الحوار، فمسألة قانون الانتخابات مئلا، سيجري حسمها على قاعدة الحل الوسط بين موقف "فتح" الداعي لاعتماد 80% للنسبي و20% للدوائر، وموقف "حماس" الذي يصر على نسبة 60% للنسبي و40% للدوائر، باعتماد رقم وسيط بينهما وهو 75% للنسبي و25% للدوائر، كما يطرح الجانب المصري الآن.
في كل الأحوال، فان الحل الحاسم والحقيقي للخلافات الداخلية الفلسطينية، لن يأتي إلا عبر صناديق الاقتراع، والانتخابات الرئاسية والتشريعية المتزامنة في الأراضي الفلسطينية، حيث يقول الشعب كلمته، وعلى الجميع أن يصغي لصوت الشعب.




















