(المستقبل -)
يروج الليبراليون الجدد لاتفاقات التجارة الحرة على أنها رافعة رئيسية للتطور الاقتصادي ومكافحة الفقر وبناء مجتمع الرفاه في الدول النامية. لكن هذا القول لا يصمد أمام حقائق الواقع الناتجة عن علاقات تجارية بين أطراف غير متكافئة، إنها خرافة. فالبنك الدولي أكد عام 2005 بعد تقويمه لمجموعة الإجراءات الممارسة بهدف زيادة "التجارة الحرة"، أن تحرير التجارة لا يكفي من أجل تأمين النمو الاقتصادي ومكافحة الفقر المنشودين. كما أثبتت (UNCTAD) في دراسة قامت بها عام 2004 حول تأثيرات تحرير التجارة في أربعين دولة نامية بأن نصف هذه الدول فقدت قطاعها الصناعي نتيجة لهذه الإجراءات، الأمر الذي أدى الى ارتفاع معدلات البطالة والفقر فيها. وفي دراسة لها سابقة عام 2003 كشفت المؤسسة نفسها التابعة للأمم المتحدة بأن سياسة الحمائية التي مارسها الاتحاد الأوروبي قد حجبت عن الدول النامية سنويا ما مقداره 700 مليار دولار من عائدات التصدير، الأمر الذي يشكل أربعة عشر ضعفا لمجموع ما تتلقاه الدول الفقيرة من مساعدات للتنمية.
عولمة أوروبا
في عام 2006 أعلنت المفوضية الأوروبية عن إستراتيجية التجارة الخارجية للاتحاد الأوروبي تحت عنوان "عولمة أوروبا"، وأوضحت بأن الهدف هو زيادة قدرات أوروبا على المنافسة في الأسواق العالمية، بما يعنيه تشريع أبواب الأسواق الخارجية أمام الشركات الأوروبية مما يتيح لها الوصول الى ما تحتاجه من المواد الخام الضرورية لصناعاتها وبأفضل الشروط المؤاتية لها. وإن حققت في غالبية أفريقيا ـ جنوب الصحراء ماتصبو اليه، الى أنها ما زالت تتعثر مع التكتلات الاقتصادية في أميركا اللاتينية (مجموعة الريو + مجموعة كان ـ بلاد الأندن + مجموعة أميركا الوسطى والكاريبي ـ كاريكوم ) والعديد من البلدان الصاعدة والنامية في آسيا.
وتأتي تجربة المفاوضات المتعثرة، ومنذ سنتين، والهادفة إلى تحرير التجارة بين الاتحاد الأوروبي والهند لتلقي الضوء على المخاطر التي تحملها معها هكذا اتفاقات، بين أطراف غير متكافئة، على اقتصاديات ومجتمعات الطرف الأضعف. فالهند بسكانها المليار والمئة مليون تشكل ضعفي عدد مواطني الاتحاد الأوروبي، الإ أن اقتصادها لا يتعدى الستة بالمئة من الناتج الداخلي لاقتصاديات الاتحاد الأوروبي. وبرنامج المفاوضات يشمل قطاعات مركزية في الاقتصاد الهندي .. الطاقة، المياه، البيئة، قطاع الخدمات بما في ذلك الخدمات المالية. ويشير الخبراء الى أن فتح قطاع الخدمات أو مجالات الصيد أو مصادرة الأراضي بهدف استخراج المواد الخام المرغوبة من الشركات الأوروبية ستلحق أضرارا كبيرة في الاقتصاد الهندي، مما يؤدي الى إزدياد الاحتقان الاجتماعي. وأفضل مثال على اتجاه هذا التطور المحتمل تقدمه شركة (METRO) الألمانية الناشطة في سوق تجارة الجملة في الهند منذ سنوات. وهذه الشركة ومثيلات لها من الاتحاد الأوروبي تضغط باستمرار من أجل أن تشرع السلطات الهندية أمامها أبواب أسواق الاستهلاك المباشر للمواطنين. وإذا ما نجحت ضغوطها هذه فسوف يتهدد مصير 12 مليون متجر تديرها تقليديا عائلات هندية ويرتبط بنشاطها مصير مئة مليون مواطن. ويشير الخبراء بأن النيوليبراليين في الحكومة الهندية يتوهمون من وراء فتح الأسواق الهندية زيادة في حركة التنافس المفيد والمطلوب حسب رأيهم من أجل تحسين آداء هذا القطاع التجاري المهم وإنتاجيته. إن الحكومة الهندية الجديدة ـ القديمة لا بد لها أخيرا من التقييم النقدي لما يجري في أوصال الاقتصاد والمجتمع من جراء تشريع الأبواب أمام منافسين أشداء تستحيل مواجهتهم على أرضية اتفاقات التجارة الحرة بشروطها الحالية. إن التوقيع على هكذا اتفاقيات يحرم على الدول المعنية وحكوماتها التدخل في النشاطات الاقتصادية المسموح بها… في حين أن التجربة المعاشة راهنا في ظل الأزمة العالمية المالية والاقتصادية تدفع بحكومات العديد من البلدان الى التدخل سياسيا من أجل معالجة تداعيات الأزمة، الأمر الذي قد يصطدم وأحكام "التجارة الحرة" كما تحددها إتفاقية "منظمة التجارة العالمية"(WTO). وخير مثال على ذلك ما عرضته قناة (ARTE) الفرنسية الألمانية مؤخرا في برنامج عنوانه "أرباحكم … وجوعنا".
التجارة المتكافئة ـ هي الطريق لمعالجة الفقر والجوع
يعيش سبعون بالمئة من سكان الكرة الأرضية على الزراعة، وبتشريع أبواب هذا القطاع يتعرض غالبية المنتجين في بلدان الجنوب لمنافسة قاسية لا يصمدون فيها أمام وفرة إنتاج مزارعي الشمال والمدعوم من قبل دولهم كا الاتحاد الأوروبي. وهذا يعني إفقار مزارعي الجنوب، وأغلبهم من النساء، وهجرتهم للأرض للتفتيش عن مصادر للعيش في جوار المدن أو في الهجرة الى الخارج كما يشاهدها العالم منذ سنوات عبر الأرتال التي تعبر المتوسط وقد لاتطأ أقدامها أراضي أوروبا المنشودة.
إن تأمين مواد الغذاء اللازمة من الإنتاج الذاتي والمحلي هي أحد أهم أهداف سياسات التعاون من أجل التنمية والتطور. ولذا فالاتحاد الأوروبي وغيره من البلدان الصناعية مدعوين لإعادة النظر بسياساتهم الزراعية والتجارية لجهة إلغاء الدعم للزراعة في دول الاتحاد (50 مليار يورو وفتح الأسواق أمام المنتجات الزراعية الواردة من البلدان النامية.
إن التجارة القائمة على التعامل العادل والمتكافئ تولد القوة الشرائية لدى شعوب البلدان النامية مما يتيح لها تأمين غذائها. فما ينقص الفقراء هو الدخل اللازم لشراء إحتياجاتهم من الغذاء.
() كاتب لبناني مقيم في برلين




















