– غزة
حادث تبادل إطلاق النار الذي جرى في قلقيلية بين عناصر من كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، ودورية تابعة للشرطة الفلسطينية، والذي أدى إلى مقتل ستة فلسطينيين، بينهم ثلاثة من أفراد الشرطة واثنان من كتائب القسام، يجب النظر إليه بخطورة بالغة، والعمل على تطويقه ومعالجة ذيوله بأقصى سرعة ممكنة.
ليس فقط بسبب الخسائر البشرية وعدد القتلى الذين سقطوا فيه، بل أيضا بسبب تداعياته المحتملة على الوضع الفلسطيني برمته، فهذا الحادث يمكن أن يقود الوضع الفلسطيني إلى دائرة الفعل وردود الفعل، وهذه الدائرة يصعب إغلاقها إذا تطورت الأمور، وقد يطول لهيبها الشتات الفلسطيني.
وكانت الديموقراطية الفلسطينية التي كان الرئيس الراحل عرفات، يسميها "ديموقراطية غابة البنادق"، تكفل لكل فصيل فلسطيني مهما بلغ حجمه وجماهيريته حرية العمل السياسي، حتى أن بعض قادة التنظيمات الفلسطينية "الصغيرة"، حسب اللغة السياسية المتداولة لدى بعض قادة "حماس" الآن، كانوا "يتنططون" في وجه قائد الثورة الفلسطينية ويغالون في توجيه النقد له أحيانا، وكان هذا حق مكفول لهم مادام الهدف منه خدمة المصلحة الوطنية الفلسطينية.
وحتى نضع الأمور في نصابها الصحيح نقول، وأنا هنا لا أقدم براءة ذمة لأحد، إن السلطة في رام الله، محكومة في تصرفاتها وممارساتها بهاجس تكرار تجربة الانقلاب العسكري الذي قامت به "حماس" في غزة، في الضفة الغربية خاصة وان حركة "حماس" لا تخفي نياتها بتكرار هذه التجربة في الضفة أيضا، عبر تصريحات بعض المسؤولين فيها، مما يبقي السلطة الفلسطينية في حالة تحفز دائم في مواجهة حركة "حماس".
هذا رغم اختلاف الوضع في الضفة الغربية عن غزة، ووجود حالة جماهيرية ملموسة لحركة "حماس" في بعض مدن وقرى الضفة مثل الخليل ونابلس ومناطق أخرى، ووجود العامل الإسرائيلي الذي يعتبر حاسما في منع سيطرة "حماس" على الضفة الغربية، ليس كرمى لعيون السلطة الفلسطينية، بل بسبب المخاطر الأمنية الكبيرة لإسرائيل التي ستسببها سيطرة "حماس" هناك.
إن المدخل الصحيح لمعالجة أزمة الانقسام الراهنة التي تمر بها الساحة الفلسطينية، وكل التداعيات الناتجة عنها، هو وقف الحملات الإعلامية المتبادلة والتصريحات الموتورة، والإفراج عن المعتقلين السياسيين سواء في غزه أو رام الله، وتحريم الاعتقال السياسي الذي يشكل جرحا غائرا في الوجدان الفلسطيني، والتقدم بخطى حثيثة نحو الانتخابات الرئاسية والتشريعية المتزامنة، وإقرار قانون التمثيل النسبي الكامل الذي يعزز التعددية السياسية، ويقود إلى بناء شراكة سياسية حقيقية، ويضمن تطوير النظام السياسي الفلسطيني.
وكذلك إقرار قيادتي "فتح" و "حماس" بأن الحوار الهادف والبنّاء، وليس الحوار الذي يجري استخدامه لأهداف تكتيكية، هو السبيل الوحيد لتجاوز الأزمة الداخلية الفلسطينية، وإعادة بناء وترميم الوضع الفلسطيني المتهاوي، الذي يهدد استمراره بإضعاف الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطية، وخسارة التأييد الدولي لها، وعدم الاستفادة من توجهات الإدارة الأميركية الجديدة الهادفة لحل القضية الفلسطينية، والاستفادة من قوة الدفع المرافقة لها. والتفاعل مع الدور المصري المدعوم عربيا، لحل الأزمة الداخلية الفلسطينية، وعدم تضييع فرصة السابع من تموز المقبل، والتي تعتبر الفرصة الأخيرة من اجل التوصل إلى اتفاق مصالحة وطنية شاملة، ينهي حالة الانقسام الشاذة ويعيد لملمة الجهود الفلسطينية التي بعثرها الانقسام.
وقبل ذلك الاحتكام في مواقفهما إلى المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، التي يجب أن تسمو فوق كل الاعتبارات والمصالح الحزبية الضيقة، ففلسطين أهم من "حماس" و "فتح" وكل الفصائل مجتمعة.




















