في خضم معركة الانتخابات النيابية اللبنانية أطلت بلدية بيروت على سكان العاصمة بمشروع يقضي بإنشاء مواقف سيارات للعموم داخل بيروت تتسع لـ 10 آلاف سيارة، وتقدر كلفته بمئة مليون دولار. ومن بين الأماكن العامة والساحات التي تم تخصيصها لإقامة هذه المواقف، لم تجد البلدية أفضل من حديقتي الصنائع والسيوفي العريقتين ليقام أسفلهما مواقف للسيارات تقضي على ما تبقى فيهما من أشجار معمرة، وتمحو من ذاكرة المدنية آخر معالمها الخضراء التي يزيد عمرها عن المئة سنة!
في مواجهة هذا المشروع وفي ظل أجواء الانتخابات الحساسة، عمد سكان منطقة الصنائع يساندهم بعض الجمعيات المدنية وبعض الناشطين في حماية البيئة، إلى تحويل الأمر برمته إلى قضية رأي عام. ولقد نجحوا، بفضل تكاتفهم وسرعة تحركهم وتهديدهم بالاعتصام وقدرتهم على الحشد والتعبئة من خلال الأنترنيت و"الفايس بوك" والصحافة، في إجبار البلدية على التراجع الموقت عن المشروع وفي انتزاع وعد من رئيس البلدية بإعادة النظر فيه لجهة عدم المساس بهذه الحدائق التاريخية. طبعا قد يكون هذا الوعد ككلام الليل الذي يمحوه نهار ما بعد الانتخابات، إلا إذا نجح الأهالي في التماسك وإبقاء ضغوطهم قائمة لحين زوال هذا التهديد بالكامل.
لكن بالرغم من بارقة الأمل هذه لجهة قدرة المجتمع المدني على حماية ما تبقى له من أماكن عامة تحتضن ذاكرته الجماعية وتشكل المتنفس الوحيد المتبقي له في ظل الزحف المتوحش لباطون المضاربات في كل أرجاء بيروت، فإن هذا الأمر يجب أن لا ينسينا ما تم، ويتم، وسط لا مبالاة مفجعة في السنوات الأخيرة من تدمير ممنهج للنسيج العمراني في مدينة بيروت وإزالة الكثير من الأبنية والأماكن التي تضم ذاكرة المدينة وتعبر عن مختلف حقب العمارة التي شهدتها هذه المدينة على امتداد القرن العشرين.
لن يكون من المبالغة بشيء القول هنا إن ما تم تدميره من أبنية ومعالم في أحياء مركزية من مثل الأشرفية ورأس بيروت، خلال فترة السلم الأهلي الممتدة من العام 1990 يفوق بأضعاف ما تم تدميره خلال الحرب الأهلية اللبنانية. لا بل إن مقدار وأهمية ما تم تدميره من أبنية في هذه الأحياء خلال السنوات الأربع الماضية يفوق بكثير كل ما تم تدميره مجتمعاً خلال فترة السلم الأهلي.
طبعا لا يكفي هنا الكلام عن المضاربات العقارية والفورة النفطية والتزايد السكاني وارتفاع الطلب على المساكن، لتبرير هذه الهجمة الشرسة على النسيج العمراني لبيروت، بل يجب الإشارة بإصبع الاتهام إلى قانون البناء الجديد الصادر في 11 كانون الأول من العام 2004 وما تلاه من مرسوم تطبيقي بتاريخ 17/11/2005 ومن ثم تعديلاته الصادرة في 08/08/2007. فهذه القوانين، التي يتحمل مسؤوليتها بالتساوي المشترع والسلطات السياسية المتعاقبة واللوبي العقاري، جعلت من الممكن إزالة أجزاء مهمة من النسيج العمراني البيروتي العائد لفترة الخمسينات والستينات وحتى السبعينات من خلال تغيير عامل الاستثمار وتعديل بعض بنود قانون البناء.
يكفي في هذا المجال أن نلحظ الجرائم العمرانية التي ارتكبت في الآونة الأخيرة في مناطق من مثل الكورنيش البحري وكليمنصو وشارعي بلس وجان دارك في رأس بيروت وحي السراسقة في الاشرفية. فهل يعقل أن تغلق الواجهة البحرية لرأس بيروت بسد باطوني من الأبنية البرجية الشاهقة التي تخنق كل ما يقع خلفها، في حين تبقى شققها الفخمة فارغة معظم أشهر السنة، لأن أصحابها يقضون معظم أوقاتهم في دول الخليج؟ وهل من المنطقي أن تطمس البيوت والأبنية الأثرية المحمية في الأشرفية وكليمنصو بأبنية برجية قبيحة تحجب عنها الضوء والهواء ومساحة الرؤيا؟ وهل من المعقول أن يشيد في الحديقة التابعة لقصر ليندا سرسق بناء شاهق يسحق كل ما حوله؟ وهل من الإنساني أن تغيب ملاعب الأطفال والحدائق والمساحات الخضراء عن معظم أحياء بيروت؟
معقول وأكثر، يجيب البعض، ما دام المقاولون في بيروت قادرون على تنفيذ بناء شاهق في موازاة منارة بيروت التاريخية، من "فضائله" أنه حجب عنها الرؤيا وألغى دورها في إرشاد السفن والقوارب!
المفجع أن هذه التغيرات لا تطول النسيج العمراني فقط، بل ينتج عنها تبدلات عميقة في النسيج الاجتماعي للمدنية نفسها، ويكفي في هذا المجال الإشارة إلى منطقة رأس بيروت، وحي الجامعة الأميركية تحديدا، والذي كان على مدى حقب عدة مكاناً مدينيا بامتياز تختلط فيه الطبقات والأجيال والطوائف والجنسيات من مختلف المشارب، ويغلب عليه طابع الطبقة الوسطى المرتبطة بشكل أو بآخر بصرح الجامعة الأميركية. في حين نراه يتحول اليوم إلى مكان للطبقة الغنية الصاعدة، في حين بات أكثر من نصف أساتذة الجامعة الأميركية يقيمون بعيدا عنها لتعذر امكانات العيش بالقرب من الجامعة.
بلدية بيروت في تبريرها لقرار إنشاء مواقف لسيارات العموم تحت الحدائق والساحات العامة، تحدثت عن عجز المدينة عن استقبال الأعداد الضخمة من السيارات التي تغزو شوارعها كل صباح. تُرى هل فكر أحد جديا بإعادة الحياة الى خط السكك الحديد الذي يربط مدن الشريط الساحلي من طرابلس شمالا مرورا ببيروت ووصولا إلى رأس الناقورة جنوبا، هذا ناهيك عن الخط الآخر الذي يربط بيروت بالبقاع وصولا إلى رياق على الحدود السورية فمدينة دمشق؟ نعم إنه مشروع يكلف المليارات على مستوى إعادة تأهيل البنية التحتية وإزالة التعديات على خطوط السكك الحديدية وأملاك الدولة، لكنه على المستوى المتوسط والبعيد سيوفر على المجتمع اللبناني وخزينة الدولة مليارات الدولارات المهدورة في الوقت الضائع على الطرقات ووقود السيارات و صيانة الطرقات، وسيجعل من زمن الوصول إلى العاصمة بيروت من معظم المدن اللبنانية لا يتجاوز الساعة من الزمن.
قد يبدو هذا الكلام حالما بعض الشيء، لكنه مع ذلك نابع من اقتناع بإن الإنسان القادر إلى هذا الحد على الإساءة الى بيئته ومدينته ومكان عيشه، هو نفسه القادر على حماية هذه البيئة والمحافظة على مدينته وتحسين شروط عيشه، في حال توافر التخطيط السليم والقرار السياسي الصائب والإرادة الجماعية الحرة. لكن من أجل ذلك فإن المجتمع بحاجة إلى آلاف المبادرات من مثل مبادرة الأهالي في محيط حديقة الصنائع، ليتمكن من إنقاذ ما يمكن إنقاذه في مسار الخراب الذي بات يهدد ما تبقى من النسيج العمراني لمدينة بيروت.




















