لا يمكن أن تكون في لبنان وفي هذه الفترة بالذات، إلا وأن تصاب بعدوى الانفلونزا الانتخابية. ذلك أن الانتخابات التي ستجرى اليوم هي «مصيرية» و «مفصلية»، وهي بالغة الخطورة والأهمية وفق التوصيفات السائدة في بورصة التنافس السياسي الحاد في مختلف الأوساط السياسية على تنوع ألوان الطيف اللبناني وعليه يمكن القول إن انتخابات اليوم هي المنازلة الكبرى، وفي وطن أنهكته الحروب الأهلية منذ منتصف عقد السبعينات من القرن الماضي، وحتى اليوم. ومن دون استباق لنتائج عمليات الاقتراع، لكن الانطباع المستند إلى عمليات استطلاع آراء الناخبين يفيد بأن فارق الأصوات بين تجمعي 8 و14 آذار سيكون ضئيلاً جداً، وأن حركة ما يطلق عليهم بـ «الوسطيين» أو «المستقلين» يمكن أن تمثل فارقاً – بتصرف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان – في التعاطي بالشأن الداخلي.
وإضافة إلى العوامل المحلية والصراعات التي هي أقرب إلى القبيلة بين بعض التيارات السياسية، والتي باتت جزءاً لا ينفصل عن اللعبة الفولكلورية في كل انتخابات، فإن معركة اليوم تجري وسط محورين رئيسيين: «لبنان الأميركي» أو»لبنان الإيراني»؟ والوقائع تؤكد على شواهد هذه المعركة. ففي الجانب الأميركي سبق لواشنطن أن عبّرت عن بالغ قلقها من احتمال فوز المعارضة باعتبار أن هذا الأمر إذا ما حدث فسيمنح «حزب الله» سلطة أقوى داخل صفوف المعارضة، وفي التأثير على صنع القرار اللبناني.
وكانت الزيارة التي قام بها نائب الرئيس جو بايدن إلى بيروت والتي استغرقت سبع ساعات، ذلك التعبير عن دعم واشنطن لمرشحين تجمع الرابع عشر من آذار. وفي اللقاء الذي جمع نائب الرئيس بايدن بأركان الموالاة، كان الدعم الأميركي واضحاً. لكن المسؤول الأميركي الكبير قال: «… إننا ندعمكم في مجالات عدة لكننا لا نستطيع القيام بدوركم وعنكم، لذا يجب ترسيخ طروحاتكم السياسية لدى الرأي العام اللبناني ليقبل على انتخابات اليوم بقوة اقبال».
ومقابل الدعم الأميركي لفريق من اللبنانيين، هناك الدعم الإيراني لفريق آخر من اللبنانيين. وفي هذا السياق أعلن الرئيس محمود أحمدي نجاد: «إذا فازت المعارضة في لبنان فإن أدواراً كثيرة ستتغير في لبنان والمنطقة على صعيد المقاومة ومحور الممانعة». ومثل هذه التصريحات، تقابلها تصريحات أخرى لمسؤولين أميركيين توضح الخطر العام المحوري والدولي الذي يهيمن على الانتخابات العامة في لبنان، الأمر الذي يجعل أي مراقب متابع للشأن اللبناني عن قرب يتساءل عن المأزق الذي يمكن أن تنتهي إليه هذه الانتخابات، بمعنى ألا تحمل نتائجها صورة واضحة لأكثرية بإمكانها أن تحكم بأكثرية ثلثي أعضاء المجلس النيابي العتيد، وتواصل وجود أقلية لا تتمكن من الحكم لكنها قادرة على تعطيل مسيرة الدولة وهذا ما حدث في أكثر من مرة ومن مناسبة في لبنان. وفي جانب آخر من العمليات الانتخابية، قالت وزارة الخارجية الأميركية إنها تتوقع أن تجري الانتخابات النيابية في لبنان بطريقة «سليمة ونظامية». إلا أنها ذكرت رعاياها بأنه حتى التجمعات السلمية يمكن أن تجنح عن العنف بشكل غير متوقع. وكانت وصية الخارجية الأميركية إلى الرعايا الأميركيين بعدم السفر إلى لبنان. ومع أن هذا القرار هو من قبيل الحذر والحيطة، لكنه يقدم الدليل على احتمال وقوع أحداث أمنية معينة خارج السيطرة التي عملت السلطات اللبنانية على تأمينها حرصاً على اجراء الانتخابات من دون حوادث، خصوصاً أن عمليات الانتخابات تجري للمرة الأولى في كل المحافظات اللبنانية.
ومع تركيز الاهتمام على المعارك الانتخابية، كانت عيون المراقبين على المدى الآخر وهو خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما في القاهرة. وحول هذا الحدث غير المسبوق في أسلوب التخاطب والتعاطي بين رئيس أميركي والدول العربية والإسلامية بعض الكلام الذي يجب أن يقال:
* كانت ردات الفعل على خطاب أوباما ايجابية بوجه الاجمال، وهو تضمن الكثير من المواقف من بدايته، «السلام عليكم»، إلى نهايته. وقد امتلأت جنبات القاعة الكبرى في جامعة القاهرة بحشد كبير ضم ممثلين عن مختلف الأطراف بمن فيهم ممن ينتمون إلى حركة الاخوان المسلمين، إلى توجيه الدعوة إلى رئيس البعثة الديبلوماسية الإيرانية في القاهرة، وتم التنسيق بين القاهرة وواشنطن على لائحة المدعوين. أما ردات الفعل غير المرحبة بالخطاب فاقتصرت على بعض التنظيمات التي يفصل الكثير بين اجتهاداتها العقدية والايديولوجية والتوجه الأميركي العام.
وقد اختار الرئيس أوباما العبور إلى المنطقة عبر بوابتين رئيسيين هما الرياض والقاهرة، وفي هذا الاختيار أكثر من دلالة ومعنى حول أهمية وحضور محوري في العالمين العربي والإسلامي.
* على أن الرئيس أوباما قال كلاماً في حديث له مع الصحافي الأميركي توماس فريدمان، ويجب إضافته إلى خطابه العام. ومن ذلك قوله: «… لدينا نكتة في الأبيض، وهي أننا سنستمر في قول الحقيقة حتى تصبح بلا نفع، ولا يوجد مكان لقول الحقيقة فيه أهمية بالغة مثل الشرق الأوسط». ويضيف: «التوقف عن قول شيء واحد خلف الأبواب المغلقة وقول شيء آخر في العلن… فهناك العديد من الدول العربية القلقة من امتلاك إيران للسلاح النووي أكثر من قلقها من التهديد الإسرائيلي ولكنهم لا يعترفون بذلك، وهناك الكثير من الإسرائيليين الذين يعترفون بأن الطريق الذي يتبعونه حالياً غير مجد وأنهم بحاجة إلى اتخاذ قرارات صعبة». ويضيف ايضاً: «هناك الكثير من الفلسطينيين الذين يعترفون بأن التحريض المستمر والحديث السلبي حول إسرائيل لم يحقق أي مصلحة لشعبهم، لكنهم لا يفصحون عن ذلك بصوت مرتفع». وينتهي إلى القول: «سأحمل مرآة وأقول: هذا هو الموقف والولايات المتحدة مستعدة للعمل معكم جميعاً من أجل معالجة تلك المشكلات، لكننا لا نستطيع أن نفرض حلاً، إذ سيكون عليكم جميعاً اتخاذ قرارات صعبة، فعلى القيادات أن تقود، آملين أن يحظوا بمساندة شعوبهم».
والواضح من اقوال الرئيس أوباما أنه يريد المحافظة على علاقة متوازنة بين الجانبين العربي والإسرائيلي بصورة عامة. لكن هذا الأمر لا يمنع من قيام «علاقات صعبة» في الوقت الحاضر بين الإدارة الأميركية الحالية وإسرائيل نتانياهو والخلاف محوره ضرورة إعلان إسرائيل الاعتراف بحل الدولتين. وستوضح الأشهر القليلة المقبلة مدى ممارسة واشنطن الضغوط على إسرائيل وحلها على استئناف عملية السلام مع الجانب الفلسطيني؟ ومع سائر المسارات. وفي حوار للرئيس أوباما مع صحافيين عرب في القاهرة بعد إلقاء خطابه، قال: «… عمر النزاع العربي – الإسرائيلي ما يزيد على واحد وستين عاماً وتريدون مني حل هذا النزاع في ستة شهور؟» (منذ توليه الرئاسة مطلع العام 2009).
وفي العودة إلى مضمون خطاب الرئيس أوباما في جامعة القاهرة، فهو حرص على التعرض لبعض التفاصيل في معرض حديثه عن الديانات والمذاهب، حيث أشار إلى ضرورة المحافظة على الموارنة في لبنان وعلى الأقباط في مصر. وفي هذا الكلام اللافت إشارات واضحة إلى ضرورة المحافظة على الأقليات في الشرق موئل الديانات والحضارات. ومع اشادة الكثير من الأوساط بالخطوة التي أقدم عليها الرئيس الأميركي والتي يمكن وضعها تحت عنوان «باراك العربي»، اعتبر بعض آخر أن ما جرى يدخل ضمن عمليات ناجحة من عمليات العلاقات العامة. وحتى لا يبقى الصوت بلا صدى وجب على الجانب العربي والإسلامي دولاً وشعوباً ومؤسسات العمل على وضع العلاقات العربية – الأميركية ضمن اطر محددة. كما أن تركيزه على توجيه نداء التصالح مع الدين الإسلامي الحنيف يجب أن يقابل بالاتفاق على صيغة من شأنها تأمين الاستمرارية في أسلوب التعامل مع الرئيس أوباما وإدارته، حتى لا تنتهي فعالية ما تضمنه الخطاب التاريخي كالهباء المنثور. من دون أن ننسى تركيزه على مقاومة الإرهاب والعنف، ودعم نهج الاعتدال والمؤمنين به والعاملين من أجله. ولعله الرئيس الأميركي الأول الذي يهدد ولو بهدوء باحتمال اللجوء إلى «قرارات معينة» ضد إسرائيل إذا لم تتجاوب مع مساعي السلام.
ومهما قيل في خطاب الرئيس الأميركي معه وضده… فهو خطوة تاريخية غير مسبوقة من جانب رئيس أميركي يطرح رايات السلام والمودة والتصالح مع الجميع وبخاصة مع العالم الإسلامي، حيث أكد أن لا حرب بعد اليوم بين الولايات المتحدة والإسلام.
* كاتب وإعلامي لبناني.




















