قبل وقت قصير من لقائه بوزير الدفاع ايهود باراك التقى هذا الاسبوع جورج ميتشيل، مبعوث الرئيس اوباما الى الشرق الاوسط، في نيويورك مع زعيم يهودي بارز. بطبيعة الحال، تركز الحديث على المواجهة المتدحرجة بين الحكومتين الجديدتين في واشنطن وفي القدس. "سياستنا بسيطة"، اجمل ميتشيل الامور بجملة واحدة. "الاسرائيليون كذبوا علينا كل السنين. وهذا انتهى".
ويفترض بميتشيل ان يصل هنا قريبا، ليفتح مكتبا في القدس ويقيم فريق عمل كبيراً. فريق ميتشيل سيكون وجع رأس لنتنياهو. باراك اوباما يدشن في القاهرة المصالحة التاريخية الاكبر بين اميركا والاسلام، ولكن مشكلتنا الحقيقية تكمن في ما يفعله ميتشيل في القدس.
في محيط بنيامين نتنياهو يعتقدون بان الكاره الاساس لنا في البيت الابيض هو رام ايمانويل. آخرون يعتقدون ان الجنرال جيمس جونز هو المشكلة. إذن هذا هو، المشكلة اساسية ومبدئية اكثر من مجموع عناصرها. فقد ملّ الأميركيون هذه الطريقة التي تسرق فيها الجياد وتبنى البؤر الاستيطانية على مدى السنين.
هذا انتهى، يقولون. واذا كانوا يقصدون ذلك، ولن ينزلوا عن هذه الشجرة العالية في المستقبل القريب، فسيكون هنا صدام جبهوي بقوة غير مسبوقة. نحن، هذه المرة، سنكون الطرف الضعيف. ذاك الذي يتحطم.
نتنياهو يغرق، في هذه الاثناء، في بحر من الاحباط. فهو ينظر بعينين تعبتين الى اوباما، المشرق والاحتفالي في جامعة القاهرة، بعد زيارة في الرياض، دون أن يستطيع لمسه. في ليلة واحدة، تحولت اسرائيل من الابن الوحيد والمدلل لأميركا الى الابن المتبنى والمنبوذ. في احلامه الاكثر كابوسية لم يتوقع نتنياهو ان يحصل هذا له بهذه السرعة، بهذه القوة، بهذه الخشونة.
وهو يقنع نفسه الآن بان الامر لا يتعلق به هو، بل بهم هم. يحتمل أن يكون محقاً. حسب هذا المفهوم، فان الأميركيين كانوا سيفعلون الأمر نفسه حتى مع شارون، او مع اولمرت، وبالتأكيد مع تسيبي ليفني وحتى مع يوسي بيلين. فهم ببساطة قرروا ان ينزلونا الى الركبتين وان يعيدونا الى حدود 1967 في غضون سنتين. هذا ما يقوله بيبي لرجاله.
من جهة اخرى، هناك من يفهمون الامور، ويعتقدون أنه مخطىء. وانه كسب متاعبه. فالنهج المغرور، الذي وصل به الى واشنطن لعب في مصلحة الاميركيين. حقيقة أنه رفض السير في الثلم الذي حفر بين الحكومات في الخمسة عشر عاماً الاخيرة وحاول اختراع كل شيء من جديد، وفرت للادارة الحجة الرسمية لتحطيم عظامه، دون أن يتمكن أحد من الصراخ للنجدة.
اذا لم يكن بيبي ملتزما بكل ما التزم به أسلافه، فنحن أيضا غير ملتزمين بأي شيء، وبالتأكيد ليس برسائل بوش أو تفاهمات فايسغلاس – رايس، قال الاميركيون لانفسهم، واخرجوا النبّوت من الخزانة.
وللمناسبة دوفي فايسغلاس، هو وليس غيره، استدعي على عجل هذا الاسبوع الى مكتب رئيس الوزراء. الآن فقط تبيّن بأن رجال نتنياهو تسلموا مناصبهم الجديدة دون أي استعداد. دون أي تداخل. أنا وبعدي الطوفان. الوفد المحترم (من لم يكن هناك. حتى دان مريدور) سافر الى لندن، للقاء ميتشيل ورجاله (والذي انتهى بالكارثة)، دون أن يعرف شيء ونصف شيء عن الرسائل، عن التفاهمات، عن الاتفاقات. لم يكلف احد نفسه دراسة المادة.
شالوم ترجمان، المستشار السياسي المنصرف، والذي خدم في المنصب ثماني سنوات متوالية، ذهب الى بيته ولم يسأله احد شيئا. عوزي أراد دعاه الى لقاء واحد، منفرد، في يوم تبادل السلطة. واستغرق اللقاء نحو ساعة. اراد تحدث فيها تقريبا وحده، وفي النهاية ترك مكانا للاسئلة. كانوا واثقين، رجال نتنياهو بأن طريقتهم الجديدة، اعادة تقويمهم، ستفترس الاوراق وتبقي الأميركيين والعرب مندهشين. وبالفعل، فان هذه الطريقة افترست، ولكنها لم تفترس الاوراق بل افترستنا نحن.
والآن، ما تبقى هو جمع الحطام والصلاة. من أجل معجزة، من أجل حدث عالمي ضخم يغير أنظمة العالم او ما يأتي اولا. إذ إن الاميركيين، كما يعطون الانطباع، يعتزمون السير بهذا حتى النهاية. وهم ذوو نزعة قوة، هم مغرورون، عندما يقررون دوس احد ما، فانه يداس. في المرة الاخيرة فعل هذا جورج بوش مع ياسر عرفات. شطبه. والآن، خلافا لالاف الاختلافات، يبدو أننا في بؤرة الاستهداف. صحيح، ليس بتلك القوة، وليس من أجل القتل، ولكن من أجل التربية. ترويض الدولة العاقة. واسمها اسرائيل.
السيناريوات الثلاثة
كيف مع ذلك يمكن الخروج من هذا؟ ثلاثة سيناريوات: خفض الرأس، قول "لا"، الدخول في مواجهة مع الادارة الاميركية والامل بأن هذا سيمر في غضون سنة. اوباما سيبدأ الاستعداد لانتخابات مجلسي الشيوخ والنواب في 2010 وسيمل. السيناريو الآخر هو الاستسلام. السير في تيار اوباما والامل في أن يصمد الائتلاف واذا لم يصمد، فليغير إذن.
السيناريو الثالث، ذاك الذي سيختاره نتنياهو، هو أن يحاول خلق نوع من الحل الوسط. وسيتعين عليه أن يقول على الملأ ما قاله لاوباما داخل الغرفة (انه في النهاية ستكون دولة فلسطينية)، وسيتعين عليه أن يزيل البؤر الاستيطانية. يتعين عليه أن يلتزم بمسيرة سريعة، وفي هذه الاثناء يحصل على إذن بالبناء لغرض الزيادة الطبيعية فقط داخل الكتل الكبرى.
ولكن كل هذا، "فراطة". الكابوس الحقيقي لنتنياهو هو ما سيحصل في الشهر القادم. عندما ينتهي الموعد الاميركي النهائي. بيبي يقول، في احاديث مغلقة انه في الصيف الاميركيون سيعرضون خطة سلام اساسها عودة الى حدود 1967. وسيعقدون مؤتمرا دوليا كبيرا، مع كل العالم، يفترض فيه أن يبرم كل شيء بين اسرائيل والعالم العربي. اسرائيل ستجر الى هناك بفضيحة. السؤال هو اذا ما كانت ستعود من هناك ايضا.
"معاريف"
ترجمة المصدر – رام الله




















