( كلنا شركاء ) 6/6/2009
ذات يوم, سيتصادف أن يبادر (مواطن ما) ويرفع دعوى قضائية على شركة كهرباء أو مؤسسة هاتف أو مياه أو حتى شركة خلوي أو بلدية يطالبها بالتعويض عن أضرار لحقت به نتيجة انقطاع الخدمة أو سوئها, وسيتصادف على الأرجح وجود قاضٍ يقبل مثل هذه الدعوى، ويصدر فيها حكماً ينتصر لمواطنية "مواطن ما"، ويفرض على المؤسسة الخدمية تعويضات كبيرة دون النظر إلى عقد الاشتراك أو المقاولة أو الإيجار أو ما شاءت المؤسسات الخدمية تسميته، ودون الاهتمام بمبدأ العقد شريعة المتعاقدين, لأنه مؤمن أن بنود مثل هذه العقود وضعت فقط لتبقى كلمة "مواطن" تستخدم في أدبياتنا بين هلالين.
في ذلك اليوم الذي ستحدث فيه هذه المصادفات العجيبة, لن يُنقل الخبر على قناة الجزيرة، إنما سيشاهده السوريون على قنواتهم الوطنية العامة والخاصة, وسيدركون أن مؤسساتهم لا تعمل ولا تهدف لإلغائهم كأفراد وإنما تعاملهم كزبن ينبغي باستمرار استرضاؤهم وكسبهم عن طريق تحسين جودة الخدمات المقدمة لهم.
على أية حال, لم يحدث حتى اليوم أن بادر أحد لرفع مثل هذه الدعوى على أي من مؤسساتنا الخدمية (كهرباء – هاتف – موبايل – مياه) والأسباب قد تتوضح من خلال فشل محاولتنا إجراء استبيان لمعرفة ما إذا كان "المواطن" يقرأ عقود الاشتراك أو المقاولة أو الإيجار… إلخ مع المؤسسات الخدمية المختلفة قبل توقيعها، ومعرفة مدى التوازن الذي تحققه تلك العقود لطرفيها.
أقول فشل محاولة إجراء الاستبيان لأن العقبة الأولى التي واجهتنا هي الحذر، وتركزت استفسارات الجمهور حول الجهة الوصائية التي نتبع لها, والعقبة الثانية هي عدم قناعة هذا الجمهور بمثل هذه الأسئلة، فراح معظمه يلخص الموضوع بجملة أو جملتين دون أن يكلف نفسه عناء متابعة القراءة ،وهنا نورد بعض هذه الإجابات:
• الخدمة المقدمة من الدولة ممتازة ولا اعتراض.
• وهل هناك جهة محايدة أعترض لها.
• لم أقرأ العقد لأنني لست طرفاً فيه وهناك شروط مفروضة وأنا وافقت عليها.
• مرة واحدة فكرت أن أعترض على مؤسسة وضاعت القصة في المحاكم.
• لم يخطر ببالي قراءة العقد, دفعنا الرسوم وفقط.
• لن أعترض على ما تقدمه الحكومة, أنا فلسطيني وأرى أن السوري يعيش بحبوحة.
• الحكومة مسؤولة عنا وعن أولادنا فلا اعتراض على ما تقدمه.
• لا داعي لقراءة العقد… الجوال جوال الحكومة والساعة ساعة الحكومة والدولة.
• ليس هناك جهات أخرى تقدم خدمات فلا يحق لنا الاعتراض.
• لا أحد يقرأ العقود ومن يدخل مؤسسات الدولة لا يصدق متى يخرج منها.
• هل تظنون أنفسكم في السويد … متى عملت الحكومة لصالحنا.
الأخطر في استبياننا لم يكن وجود نسبة عظمى لم تقرأ العقود أو طلبات الاشتراك, إنما هو حالة اللاجدوى التي تكتنف حياتهم, وحتى تلك الإجابات التي تضمنت ثناءً فائقاً على المؤسسات الخدمية كانت تستبطن رغبة في الهروب عن الإفصاح, لعل مصدره الخشية أو ربما الإحساس بعبثية أي سؤال وأي جواب.
لكننا لسنا حالة فريدة أو استثنائية في هذا المجال, فزميلنا العائد من الإمارات بعد إقامة خمس سنوات فيها, لم يقرأ أي عقد اشتراك مع أي مؤسسة خدمية، ويعتقد أن المواطنين هناك لا يقرؤونها, مع فارق بسيط جداً: لا يوجد شيء في الإمارات اسمه انقطاع كهرباء أو ماء أو هاتف أو موبايل إلا لأسباب تتعلق بعدم دفع الفاتورة, مضيفاً أن ابنته البالغة من العمر خمس سنوات تعرف معنى كلمة انقطاع ومعنى كلمة كهرباء كل على حدة, وأنه وجد صعوبة في إفهامها معنى جمل من نوع: انقطاع كهرباء – انقطاع هاتف – انقطاع مياه… لأنه لم يسبق لأحد أن استخدم أمامها كلمة انقطاع أو قطع قبل أي نوع من أنواع الخدمات.
وعموماً تشترك جميع العقود بمضمون واحد صيغ بعبارات متعددة متقاربة ففي عقد إيجار الهاتف نقرأ أن المؤسسة ليست مسؤولة تجاه المشترك عن الأضرار أو خلافها مما ينشأ في توفير خدمة الاتصالات أو إعادة توصيلها أو عن الخسارة أو الأضرار الناجمة عن الخدمة أو قطعها جزئياً أو كلياً, ولا عن الخسارة في الأرباح أو الدخل أو المطالبة بالعطل والضرر تحت أي ظرف… وفي حين أنها تعطي المشترك حق الاعتراض على فاتورتها فإنها ترتب عليه تسديد 2 بالمئة من قيمة المبلغ المعترض عليه في حال عدم صحة الاعتراض، إضافة إلى الغرامات المالية والفوائد المستحقة على الفاتورة.
أما في عقد مقاولة الاشتراك بالطاقة الكهربائية فإنه يحق للشركة في سبيل الصيانة أو لأي سبب فني آخر قطع التيار نهار الجمعة من كل أسبوع وقطعه في أي وقت كان لإجراء أشغال نشأت عن أحوال طارئة، ولا يحق للمشترك في جميع الأحوال مطالبتها بأي تعويض ناشئ عن قطع التيار, كما أن الشركة لا تلتزم بتعويض الضرر الناشئ عن الحوادث المفاجئة والقوة القاهرة وأخطاء المشترك وأخطاء الغير، والطريف في العقد أن على المشترك دفع قيمة الإيصالات حتى لو تضمنت خطأ على أن يسويه من حساب الأشهر المقبلة، وأكثر من ذلك، منح العقد عمال الشركة حق الدخول إلى مكان الاشتراك في أي وقت لمعاينة التأسيسات سواء الداخلية منها أو الخارجية, وكان ينبغي إضافة: حتى لو كانت الكهرباء مقطوعة!!
أما عقود شركتي الخلوي (عقود الاشتراك) فإنها كادت تتطابق لولا الاختلاف في ترقيم المواد, وتحت عنوان التزامات الشركة اتفقتا على أنهما غير مسؤولتين عن أي عطل ناتج عن أشغال الصيانة أو التقوية أو إعادة التهيئة أو التمديد أو عن نشوء عطل نتيجة تداخل على شبكتيهما كما أنهما غير مسؤولتين عن أي قطع ناتج عن عوامل خارج سيطرتهما وليستا مسؤولتين عن أي خسارة أو فوات ربح ناجم عن انقطاع خدماتهما أو تعطلهما أو توقفهما مهما تكرر ومهما كان سببها، والطريف أن الإتفاق بينهما وصل إلى حد وضع بند مشترك يشترط على المشترك ألا يكون مديناً بمبالغ ناجمة عن عقود مبرمة مع الشركة أو مع شركة أخرى منافسة تحت طائلة إنهاء العقد من تاريخ العلم بالمخالفة ودون الحاجة لإنذار المشترك أو إعذاره ويحق للشركتان تعميم اسمه على قائمة المتخلفين عن الدفع، وأكثر من ذلك أعطت الشركتان لنفسيهما الحق في إصدار عدة فواتير في الشهر الواحد وإلزام المشتركين إيداع ضمانات إيفاء لالتزامات حالية أو مستقبلية وتنفردان بتقدير هذا الضمان وزيادته وفق ما تريانه مناسباً.
معاون مدير مؤسسة توزيع واستثمار الطاقة الكهربائية مصطفى شيخاني رأى أن المشكلة في "المواطن", فهو مدلل تصله الخدمة مجاناً دون السؤال عن المسؤوليات التي تتحملها المؤسسة, فهذه الأخيرة استثمارية تبيعه الخدمة، لكنها خاسرة والسبب هو "المواطن", لأنه لا يقدر تماماً قيمة الدعم… فهناك من يتعدى على الشبكة ويقوم باستجرار غير مشروع والمؤسسة لا تحاسب أحداً فهل يأتي "المواطن" ليحاسبها على الخدمة المقدمة وطبيعتها وجودتها، ولماذا لا يهتم "المواطن" بما تتكبده الحكومة من خسائر لإيصال خدمة بغض النظر عن جودتها.
وخلص شيخاني إلى وجوب البحث في سلوك "المواطن" وتصرفاته… فعليه النوم باكراً… ويجب إجباره على تغيير سلوكه لتقليل الهدر الحاصل في الكهرباء… فهناك عجز سنوي في المؤسسة يتزايد بنسبة 25 بالمئة… هل يعرف "المواطن" ذلك؟
في مديرية الشؤون القانونية بوزارة الاتصالات قيل لنا إن عقد المقاولة لم تضعه جهة قانونية إنما صاغته المديرية التجارية، وهي عقود إذعان لا يستطيع أحد الاعتراض عليها لأن الخدمة حصرية بالمؤسسة وبالأساس (المواطن) لا يقرأ شيئاً ولا يحق له الاعتراض، والعقد يلبي احتياجات المؤسسة فقط وهو لصالحها وليس لصالح المواطن.
أما المديرية التجارية لمؤسسة الاتصالات فكان لها رأي مختلف, يتلخص بأن العقد ليس عقد إذعان وقد شارك حقوقيون في صياغته وهو ضمان لحق (المواطن) والمؤسسة على السواء، ولو أن كل شخص أو مشترك تضرر من قطع هاتف أو تعطل مقسم واشتكى على المؤسسة وطالبها بتعويض, لتوقفت عن العمل من زمان، وارتأت المديرية أن المؤسسة تستطيع قطع كافة الاتصالات عن سوريا دون أن يحاسبها أحد، ولكنها حتماً لن تلجأ إلى هذا الحل، مؤكدة أن المؤسسة حتى لو كانت خاصة وتقدم خدمات بجودة 100 بالمئة لن تتمكن من صياغة عقد مع المواطن يضعها موضع المساءلة في حال تعطل الخدمة ولن يسعها إرضاء الزبون والأهم لن تستطيع الإلتزام به في حال وجوده.
مديرية متابعة شؤون المشتركين في مؤسسة مياه محافظة دمشق أقرت أن هناك بنود مذعنة بحق المواطن في العقد, لكن المؤسسة ضمن العقد ملزمة بواجبات تجاه المواطن منها وضع خطط مستقبلية لتأمين المياه، سيما أن مصادر هذه الأخيرة محدودة, مضيفة أن من الطبيعي أن يوافق المواطن على العقد وربما لا يقرأه ولا يطلع على بنوده، ولكنه في النهاية يوافق عليه وينتهي الأمر بغض النظر عن شروطه سواء كانت مجحفة أم لا.
مدير نقل ريف دمشق خالد عبد الكريم أبو زيد قال إنه من أنصار سؤال المؤسسات عن واجباتها تجاه المواطن، ويجب تغريمها في حال قصرت، مؤكداً أن العقود غير متوازنة وهي لصالح الحكومة وليس المواطن، وأن الخدمات المقدمة للمواطنين قياساً مع الدول المجاورة ليست بالمستوى المطلوب.
المشكلة إذاً تكمن بالهلالين المطوقين لكلمة (مواطن)، وفي كلمة مؤسسة العارية, فالأولى تحيلنا إلى رعية استكانت إلى الرضى بالحد الأدنى للخدمات, لا يهمها إن ساءت هذه الخدمة أو تلك، إن تحفرت الطرقات أو تعبدت، المهم بالنسبة لها استمرار وجود الخدمة لأن معيار الجودة بالنسبة لها مفقود… مفقود…. وفي النهاية بالشكر تدوم النعم, والثانية تحيلنا إلى الأب المطلق السلطة صاحب الأمر والنهي الذي يخشى كلمتي حقوق وواجبات لأنه اعتاد أن يأمر حتى بغير المستطاع، فيطاع, والحلقة المفقودة بينهما هي الثقة, ثقة كل منهما بالآخر, وثقة الاثنين بمرجعية ثالثة هي القضاء إن لم يخب ظني.
"كلنا شركاء"




















