الحياة
الانتخابات العامّة مناسبة لتقويم ما حصل في السنوات الفائتة، وإعلان عن الوجهة الغالبة، ذات الشرعيّة الشعبيّة، للسنوات التي تلي. عند هذا المفصل، تُحاكَم سياسات وتسقط خرافات.
وقد أمكن إحراز ذلك بنجاح كبير، على رغم أن أداء 14 آذار السابق على الانتخابات لم يكن في أحسن أحواله، بل على رغم وجود سلاح غير السلاح الرسميّ يظلّل العمل الانتخابيّ ويرمقه بعين دائمة الاحمرار، خُطباً تهديديّة ومواقف تخوينيّة لا رقيب عليها.
وأن تُجرى انتخابات في ظلّ سلاح غير شرعيّ، وأن يفوز الطرف الذي يخاصم هذا السلاح، فيما يتلقّى خصومته، فهذا من غرائب الحياة السياسيّة والعمليّات الانتخابيّة ومن استثنائيّاتها البالغة الندرة.
مع ذلك استطاعت أكثريّة اللبنانيّين أن تسوّي بالأرض سياسات وخرافات، وسياسات خرافيّة وخرافات سياسيّة، عدّة.
فبعد اليوم، بات يُستحسَن ألاّ يقال، بتلك الخفّة السابقة، إن نتائج انتخابات 2005 جاءت «ردّة فعل عاطفيّة على اغتيال رفيق الحريري»، من دون الاعتراف لها بأيّ مضمون سياسيّ واستقلاليّ آخر. وأصحاب تلك الأقوال ما عاد لائقاًً بهم ترداد المعزوفة المحبّبة عن أن تلك النتائج أتى بها «قانون غازي كنعان الانتخابيّ»، وأن غالبيّة البرلمان السابق إنّما نجمت عن «سرقة» وفّرها لها «التحالف الرباعيّ». وفضلاً عن المعنى الرمزيّ لفوز فؤاد السنيورة في صيدا، غدا من المبتذل اعتبار أن أكثريّة اللبنانيّين لا ترى فيه إلاّ عدوّاً، أو أن هذه الأكثريّة تعامل سياساته الاقتصاديّة بالغضب، بينما بالفرح والتهليل تعامل تعطيل الحياة الاقتصاديّة.
أهمّ من هذا، قالت أكثريّة اللبنانيّين إن سلاح المقاومة لا يريحها، ولا يثير لديها إلاّ المخاوف والهواجس، وأن حرب تمّوز 2006 لم تكن، في رأيها، «انتصاراً إلهيّاً»، ولا كانت انتصاراً، إلاّ بقدر ما كان يوم 7 أيّار «يوماً مجيداً». فمنظومة الكلام السهل تلك سقطت على نحو مدوٍّ وتبدّى كم أنّها خلافيّة مُتنازَع عليها، وكم أنّها، بالتالي، فئويّة وأقليّة الطابع.
وقالت الانتخابات الكثير عن المسيحيّين، هم الذين جرت في مناطقهم المواجهات الأشرس. فهؤلاء وقد سبق أن منحوا ميشال عون تفويضاً جعله قائدهم السياسيّ الأوّل، تحت وطأة إحباطهم والفراغ في مواقعهم القياديّة، بدأوا يستردّون تفويضهم. والأمر إنّما يعكسه رسوب بعض أبرز وجوه «التيّار» (أبو جمرا وباسيل) و «التكتّل» (سكاف)، ناهيك عن جدّيّة المعارك وانكماش الفوارق في معظم الدوائر حيث فاز عونيّون. صحيح أن عون حافظ على بعض انتصاراته، لا سيّما في كسروان، إلاّ أن خسارة بيروت الأولى وزحلة، وتحوّل زغرتا استثناءً في التصويت الشماليّ كلّه، ليسا بحال أقلّ أهميّة.
ومما يعنيه هذا أن المسيحيّين الذين سبق أن «غطّوا» بندقيّة «حزب الله»، بدأوا يضمرون وتضمر معهم الحجج التي تؤكّد على «جماهيريّة» عابرة للطوائف تنطوي عليها المقاومة. كذلك بدأ يُستعاد الصوت التقليديّ والعاديّ عن لبنان ودوره. وهذان الأخيران قد لا يكونان ما يطمح إليه الطامح إلى مجتمع ديمووقراطيّ، تعدّديّ وعلمانيّ، لكنّهما، بالتأكيد، خير من التحوّل إلى منصّة إطلاق لصواريخ صغيرة وأرض استقبال لصواريخ أكبر.
بيد أن إعلان أكثريّة اللبنانيّين رأيهم وقناعتهم شيء، وعبادة القوّة ومذهبها شيء آخر. فالآن، أكثر من أيّ وقت مضى، تبدو الديموقراطيّة والمقاومة متعاكستين متناقضتين. وتدبّر هذه المسألة هو ما يُرجّح أن يكون عنوان الفصل المقبل من حياة اللبنانيّين وعذابهم وشعورهم بأنّهم مهما قرّروا، سيبقى السلاح منصوباً عليهم الامتثال له والسلام!




















