لا حكمة في التصريحات المتسرعة لبعض 14 آذار في ما يخص مبايعة الرئيس نبيه بري لولاية جديدة لرئاسة المجلس كما لا حكمة في مقولات تفتقد إلى الواقعية لبعضها الآخر بضرورة أن تحكم 14 آذار عبر حكومة الغالبية وأن تعارض 8 آذار في مجلس النواب.
فالموضوع في غاية الحساسية والخطورة ويتعدى إنتخاباً عادياً لرئيس مجلس نيابي أو تشكيل حكومة عادية في إطار نظام سياسي قائم على ديموقراطية عددية بسيطة في ظروف عادية ومستقرة.
فلبنان، بعد إجراء الإنتخابات النيابية أمام إستكمال تكوين السلطة عبر إنتخاب رئيس للمجلس النيابي وتعيين رئيس للحكومة وتشكيلها.
الغالبية النيابية الجديدة – المجددة هي من 71 نائباً وهي حقيقية وليست وهمية وهي ناتجة عن إنتخابات أجريت وفق قانون نسجت خيوطه 8 آذار (والكل يتنصل منه اليوم!). ولا فائدة من ملاحظة أمين عام "حزب الله" حول التمييز بين الغالبية النيابية والغالبية الشعبية في إطار نظام قائم على الديموقراطية التوافقية التي لطالما تمسكت بها 8 آذار.
في المقابل، على 14 آذار أن تدرك جيداً أن الموازين التي تحكم إعادة تشكيل السلطة لا تقتصر على حيازة الغالبية النيابية، إنما أيضاً تتأتى من مفاعيل الواقع على الأرض (وذلك بغض النظر عن أحقية وجوده بالنسبة لأصحابه وتطميناتهم).
وإذا كان نظرياً بمقدور 14 آذار أن تأتي برئيس مجلس نيابي ورئيس حكومة من صفوفها وأن تشكل حكومة 14 آذار، فإن هذا الأمر يفجر الوضع اللبناني فضلاً عن أنه يتناقض مع روح الدستور والطائف.
ولأن الوضع بهذا القدر من التعقيد والحساسية، وللإستفادة من عبر التجارب المأسوية السابقة التي، ويا للأسف، أوحت أن اللبنانيين غير قادرين على حكم أنفسهم بأنفسهم، يتوجب مقاربة إعادة إنتاج السلطة على قاعدة التوافق حول سلة تحتوي على رئاسة المجلس النيابي، رئاسة الحكومة، توازناتها وبيانها.
وقد يستغرق الإتفاق على هذه السلة وقتاً. ولكن هذا الأمر أفضل من التسرع ودفع الوضع في لبنان إلى مسالك تؤدي به إلى عدم الإستقرار السياسي أو حتى الأمني وإلى عودة الوصاية الخارجية إليه مهما كان عنوانها : الدوحة، دمشق، القاهرة، الرياض، طهران، واشنطن، باريس،…
ولبلوغ هذا الإتفاق، ثمة حاجة لحوارات ومفاوضات وتفاهمات ثنائية وثلاثية و… وهنا، تبرز الحاجة الماسة والضرورية لإدارة هذه العملية المعقدة، والتي إذا ما تركت لأهواء "المتحاورين" المفترضين قد تضل الطريق وتوصل الوضع في لبنان إلى ما لا يحمد عقباه.
وبما أن "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يسهر على احترام الدستور والمحافظة على إستقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه"، وبما أن الرئيس سليمان هو الرئيس التوافقي، وقد أثبت من خلال الممارسة هذه الصفة بإمتياز خلال السنة الأولى من عهده، تقع عليه حصراً مسؤولية إدارة هذه العملية، وعلى الجميع تسهيل مهمته هذه.
إن الغالبية الحالية متوازنة من حيث الثنائية المسيحية – الإسلامية كما هي حال الأقلية. غير أنها تفتقد إلى التمثيل الشيعي المعقول. في المقابل، تفتقد الأقلية إلى التمثيل السني المعقول. لذا، لن تكون حكومة الغالبية منسجمة مع روح الدستور والطائف.
وبما أن 14 آذار لا تحظى بغالبية الثلثين في المجلس النيابي وبما أن الفارق بسيط في عدد المقاعد بين 14 و 8 آذار، ثمة حاجة لحكومة تضم في صفوفها الفريقين.
وإذا كانت غالبية الثلثين ل14 آذار في الحكومة منافية لروح الدستور والطائف، فإن تمسك 8 آذار بالثلث الضامن (أو المعطل) غير مقبول في ضوء تجربة الحكومة الحالية (حكومة تعطيل أعمال، على حد قول الوزير محمد شطح)، ويوحي وكأن هذا الفريق يبغي تقويض الدولة وتهميشها أو أقله وضعها في خدمة "قضاياه ورؤياه الخاصة للبنان والمنطقة والعالم"، كما أن هذا التمسك لن يكون إلا على حساب دور رئيس الجمهورية الطبيعي والمسلّم به في إنتظام الحياة السياسية والدستورية في البلد.
لا شك في أن الممارسة أظهرت ضرورة توضيح أو حتى تعديل بعض صلاحيات ومسؤوليات رئيس الجمهورية في إطار المحافظة على أساسيات اتفاق الطائف، لأن دور الحكم والناظم للحياة السياسية والدستورية في لبنان كان في يد دمشق في مرحلة الوصاية السورية. غير أن معالجة هذا الأمر تتطلب وقتاً طويلاً نسبياً وجواً عاماً هادئاً وعقلانياً.
أما عملياً، ولكي لا يذهب لبنان إلى المجهول وكي تكون الحكومة حاكمة ولكي تدور عجلة الحكومة والحكم والدولة بشكل طبيعي، لا بد من أن تشكل الحكومة على القاعدة التالية: 16 وزيراً ل 14 آذار، 10 وزراء ل 8 آذار و4 لرئيس الجمهورية بمن فيهم وزيرا الدفاع والداخلية.
فمن الطبيعي أن تحصل 14 آذار على الغالبية العادية في الحكومة وأن يكون التحكيم في القضايا الأساسية التي تتطلب غالبية الثلثين لبتها في يد رئيس الجمهورية. وهكذا يتبين ان 16+4=20، أي ثلثي الحكومة وأن 10+4=14، أي أكثر من ثلث الحكومة زائد واحد (11). من هنا، لا يمكن أن تتعطل الحكومة إذا لم يتم التوافق بين 14 و8 آذار على موضوع يتطلب أكثرية الثلثين: فوجود ال 4 وزراء في يد رئيس الجمهورية يشكل عاملاً ضاغطاً على الطرفين لكي يتوافقوا وأداة حاسمة في حال لم يتوافقوا، فلا تتعطل آلية إتخاذ القرار في الحكومة.
هكذا يصبح رئيس الجمهورية الحكم المقتدر في يده القوة الكافية لكي يكون تحكيمه كما رأيه مسموعاً ومقبولاً.
إن الأولوية في بت عناصر السلة تذهب برأيي إلى موضوع توازنات الحكومة العتيدة، يليها التوافق على الخطوط العريضة للبيان الوزاري، لما لهذا الأمر من أهمية في مقاربة مسألة السلاح خارج المؤسسات العسكرية والأمنية للدولة اللبنانية، والذي سيُرحّل في مطلق الأحوال للبت فيه إلى طاولة الحوار في بعبدا عبر مناقشة إستراتيجية الدفاع.
أما رئاسة مجلس النواب، ولكي لا تتكرر سابقة تعطيل المجلس، لا بد من الإتفاق على أساسيات عملها وبعض المواضيع العالقة التي لا بد من وضعها على طريق الحل المؤسساتي. وفي مطلق الأحوال، لا يصح بت إنتخاب رئاسة المجلس قبل التوافق على رئاسة الحكومة، توازناتها وأساسيات بيانها.
قد يقال إن هذه المقاربة في إنتاج السلطة غير مؤسسية. الجواب : نعم إلى حد ما. ولكن الظرف الصعب والإستثنائي يفرضها.
سياسي لبناني




















