تنتظر منطقة الشرق الأوسط بفارغ الصبر نتيجة الانتخابات الرئاسية في إيران التي ستجري اليوم، لا سيما أنها مهمة للغاية بالنسبة إلى الرياض والقاهرة والخليج وبيروت وتل أبيب وبغداد ودمشق وكابول وإسلام أباد أيضاً. كما يترقب المسؤولون في واشنطن إضافةً إلى نصف مليون إيراني موجودين في كاليفورنيا هذه النتيجة.
ومهما تكن هوية الشخص الذي سيفوز في الانتخابات، سواء كان الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد أو أحد خصومه الثلاثة، تبقى المسألة الأساسية التي تترتب معالجتها فوراً هي علاقة إيران بإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما.
وستؤثر طريقة تطوّر هذه العلاقة بشكل كبير على مجموعة من المشاكل والنزاعات في المنطقة، ومنها الاستقرار في العراق ولبنان والنزاع العربي الإسرائيلي والأمن في الخليج والحرب في أفغانستان وباكستان.
أما خصوم أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية فهم مير حسين موسوي، البالغ الثامنة والستين من عمره وهو رئيس الوزراء الإيراني الأسبق خلال حرب إيران والعراق بين عامي 1980 و1988، ومهدي كروبي، البالغ الثانية والسبعين من عمره وهو الرئيس الأسبق للبرلمان الإيراني، ومحسن رضائي، البالغ الرابعة والخمسين من عمره، وهو القائد الأسبق للحرس الثوري الإيراني الذي يضم 300 ألف جندي. ويحظى موسوي، وهو المنافس الأقوى بينهم، بدعم الشباب والطبقة الوسطى المثقفة. غير أن أحمدي نجاد لا يزال يحظى بدعم قوي في الريف وفي أوساط الفقراء، وذلك بسبب المال الذي يوزعه والقروض المصرفية المتدنية الفائدة التي يقدمها والاهتمام الذي يوليه إلى المناطق الريفية. وسيعرف العالم غداً السبت ما إذا كان سيفوز بولاية ثانية تمتد على أربع سنوات.
وبعد مرور ثلاثين سنة من العداوة العقيمة بين الولايات المتحدة وإيران، دعا الرئيس باراك أوباما إلى إجراء حوار مع إيران من دون أي شروط مسبقة، قائم على أساس الاحترام المتبادل. فقد عمد بذلك إلى خرق جدار الأزمة الحاصلة بين البلدين. وترغب كل الدول في المنطقة في معرفة معنى هذه المقاربة الجديدة كلياً بالنسبة إليها.
من الواضح بالنسبة إلى الجميع أن سياسات الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن باءت بفشل ذريع. فالحال ان اجتياح العراق وتدميره قلب موازين القوى في الخليج وساهم في تكريس إيران كقوة إقليمية مهمة. ولم تكن محاولات عزل طهران فعالة، بل ساهمت في زيادة تأثيرها على سورية و «حزب الله» وحركة «حماس» وتوسيع نطاقه ليصل إلى دولة قطر. ولا تزال علاقة إيران التجارية بدبي قويةً على رغم محاولات المحافظين الجدد في الخزانة الأميركية بتقويضها على مرّ السنوات.
قد تكون العقوبات أثّرت سلباً على اقتصاد إيران إلا أنها لم تقنعها بضرورة تغيير سياساتها. كما لم ينجح التهديد الواضح والمتكرر من إمكانية توجيه ضربة عسكرية إسرائيلية أو أميركية ضد منشآت إيران النووية، بإقناعها بوقف تخصيب اليورانيوم بل ساهم في ترسيخ الحاجة الملحة إلى حيازة رادع نووي في أذهان الإيرانيين.
تقرّب أوباما من إيران بطرق مختلفة. فقد وافق على أن تشارك الولايات المتحدة في المحادثات المتعددة الأطراف المتعلقة بالشؤون النووية. كما أنه شجّع السفارات الأميركية في جميع أنحاء العالم على دعوة الإيرانيين إلى حضور الاحتفالات باليوم الوطني الأميركي في الرابع من تموز (يوليو)، وأقرّ بالدور الذي لعبته أميركا لإطاحة رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق عام 1953. وعلى رغم أن أوباما ربط في الخطاب الذي ألقاه في القاهرة هذه الحقبة بدور إيران في احتجاز الرهائن وممارسة أعمال عنف إزاء المدنيين والجنود الأميركيين، فقد شدد على ضرورة ألا يبقى البلدان أسيري الماضي. وستساهم هذه الخطوة بطريقة أو بأخرى في تخفيف حدة الاستياء الإيراني الطويل.
واعترف أوباما في خطابه بحقّ إيران في استخدام طاقتها النووية لأغراض سلمية. ولم يحمل خطابه أي نوع من التهديد. وقد توجّهت واشنطن بشكل حازم إلى إسرائيل بالقول إن الولايات المتحدة لن تؤيّد أي هجوم على إيران.
وكان أوباما حازماً في التعبير عن تصميمه على تجنّب أي سباق للتسلح النووي في الشرق الأوسط. كما أعرب عن أمله في أن توقّع دول المنطقة كافة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية مما اعتُبر رسالة موجّهة إلى إسرائيل بما أنها لم تقدم على هذه الخطوة بعد، فيما إيران وقّعت عليها. مضيفاً أنه لا يحق لأي بلد أن يقرر أو يختار من لديه الحق في حيازة الأسلحة النووية. كما أعلن أنه سيبذل قصارى جهده كي يبني عالماً خالياً من الأسلحة النووية.
وتبدو إمكانيات حصول حوار أميركي – إيراني مثمر كبيرةً. ويبدو أن المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية آية الله علي خامنئي يرحّب بذلك. وفي هذا الوقت، هاجم خصوم أحمدي نجاد وعلى رأسهم مير حسين موسوي المدعوم من الأحزاب الاصلاحية سياسة الرئيس الإيراني التصادمية معتبرين أنها حوّلت إيران إلى دولة منبوذة دولياً.
وما يدل على إمكانية حصول انفراج بين البلدين هو المصالح الأساسية التي تشترك فيها الولايات المتحدة وإيران. فكلاهما يريد عراقاً مستقراً، وتفادي فوز حركة «طالبان» في أفغانستان، ومراقبة تدفق المخدرات عبر الحدود الأفغانية.
وحاز لقاء القمة الأخير في طهران الذي جمع بين أحمدي نجاد ورئيس أفغانستان حميد كرزاي ورئيس باكستان آصف علي زرداري على انتباه واشنطن. فقد تم تعبيد الطريق نحو الحوار الذي قد تنتج عنه آثار عميقة على المنطقة بأكملها وقد يجرّ إيران على المدى الطويل نحو نظام أمني إقليمي.
ويعتبر الطابع الديموقراطي الذي تتميز به الانتخابات الإيرانية والذي تميّزت به الانتخابات الأخيرة التي جرت في لبنان عنصراً لافتاً. فيملك كل بلد خصائص تميّز «ديموقراطيته» عن النموذج الغربي. ففي إيران، اختار مجلس الشورى وهو بمثابة مجلس دستوري، الابقاء على أربعة مرشحين للرئاسة بعد أن تقدّم 475 شخصاً اليها. وقد يعتبر البعض أن هذا التصرف هو خرق للديموقراطية. وبدت الحملة الانتخابية والنقاش العلني محتدمين. فكل واحد يدعم مرشحه المفضل.
وما يشوب الديموقراطية الحية والمتنوعة في لبنان هو التمثيل المفرط للمسيحيين، مقارنة بثقلهم الديموغرافي واستمرار الولاء «الاقطاعي» لبعض العائلات السياسية، واللجوء بشكل كبير إلى شراء الأصوات.
غير أن فوز الأكثرية الموالية للغرب في لبنان بقيادة سعد الحريري، والمترافقة بفشل «حزب الله» في تعزيز موقعه، قد يؤدي إلى تسهيل حصول حوار أميركي إيراني. فقد تميل المعارضة اللبنانية ومن يدعمها في الخارج لا سيما سورية وإيران، التي منيت بهزيمة في الانتخابات إلى القبول باليد التي مدّها إليها أوباما.
يعتبر دفاع الرئيس الأميركي عن الحوار والمصالحة لافتاً. فلا أحد يرغب في أن يتم استبعاده من الشرق الأوسط الجديد والسلمي الذي يحاول بناءه.
- كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الاوسط
"الحياة"



















