منذ زمن الإغريق القدامى قيل في مديح (أو في هجاء… لا فرق) النظام الديموقراطي مقارنة بالأنظمة الملكية والأوليغارشية والديكتاتورية التي عرفتها اليونان القديمة، أن الديموقراطية هي نظام الحكم "الأقل سوءاً". وها نحن اليوم، وفي أعقاب مفاجآت الانتخابات اللبنانية، نعيد اكتشاف أهمية هذه المقولة، مضيفين عليها أن النظام الديموقراطي اللبناني بمثالبه ومحسوبياته وطائفيته ومذهبيته وزبائنيته وفساده وتبعية قواه السياسية للخارج، يظل مع ذلك النظام السياسي الأقل سوءاً مقارنة ببقية الأنظمة السياسية السائدة في أرجاء المنطقة العربية، سواء من وقع منها في محور الممانعة أو في محور الاعتدال.
يكفي في هذا المجال أن صناديق الاقتراع لا تزال قادرة على مفاجأة ليس فقط مكاتب الإحصاء والمرشحين ومن يقف خلفهم من قوى سياسية محلية وإقليمية، بل حتى المقترعين أنفسهم. ويكفي أن هذه الصناديق تظل المعيار الشرعي والسلمي الأهم لتحديد أوزان وحجوم وشعبية مختلف القوى المتصارعة لمدة أربع سنوات، مانعة على المنتصر أن يتكبر ويستأثر، وعلى المنهزم أن يجمح بعيدا في طموحاته.
مع ذلك فإن هذا النظام الانتخابي وفقا لقانون الستين وللنظام الأكثري، سيظل ينخر في جسد الاجتماع اللبناني كمثل الذي يحفر قبره بيده معيداً إنتاج الطبقة السياسية نفسها، هذا إذا لم يتم الإصلاح الانتخابي المطلوب في اتجاه لبنان كدائرة انتخابية واحدة وفقا للنظام النسبي بشكل يسمح بإعطاء تمثيل حقيقي للاجتماع اللبناني في أماكن سكنه وعمله وحراكه السياسي الراهن، لا في مسقط رؤوس أجداده وأماكن انتمائه الطائفي والقروي المتوارثه!
وإذا كانت واحدة من أهم خصوصيات الديموقراطية اللبنانية، وفي الوقت ذاته واحدة من أكبر مساوئها، تتجلى في تبعية معظم القوى السياسية المحلية للخارج، إيديولوجيا وسياسياً وماليا وحتى أمنياً، بشكل يسمح بتحويل البلد إلى ساحة مفتوحة للصراعات الخارجية التي يمكن أن تأخذ في بعض المراحل طابعا عنفياً مريعاً، فإن المثير للاهتمام في هذه المرحلة بالذات هو قدرة الأطراف الإقليمية المتنازعة، بدءا من السعودية ومرورا بمصر وسوريا ووصولا إلى إيران، ليس فقط على احترام قواعد اللعبة الديموقراطية اللبنانية عندما تقتضي الضرورة ذلك، ولكن على الانخراط الفاعل بها من خلال إظهار قدرة عالية على تفهم الواقع السوسيولوجي والسياسي للبلد، وتركيب اللوائح على هذا الأساس واختيار المرشحين ذوي الحيثيات السياسية والاجتماعية الوازنة والمساهمة في صياغة برامجهم الانتخابية ودعم حملاتهم الإعلامية، وصولا إلى القبول والتسليم بما تظهره صناديق الاقتراع من نتائج الربح والخسارة.
كأننا هنا أمام لعبة ديموقراطية بين قوى إقليمية ودولية متنافسة، تدور رحاها على "الساحة" اللبنانية، ويقرر مصيرها في النهاية الناحب اللبناني!
هذا الاستحقاق الانتخابي اللبناني – الإقليمي – الدولي إذا جاز القول، وأداء القوى الإقليمية المتناغم داخله (حتى الآن)، يحيلنا إلى مفارقة مفجعة في مرارتها، مع أنها لم تنل الاهتمام الكافي من المراقبين. ونعني بها عجز هذه القوى الإقليمية المنخرطة بفاعلية وبراغماتية في الاستحقاق الانتخابي اللبناني، عن أن تتعامل بالانفتاح والبراغماتية نفسيهما مع مجتمعاتها الوطنية والاستحقاقات الداخلية التي تواجهها! مع أن الانخراط البناء للنخب الحاكمة العربية في استحقاقات انتخابية داخلية، لن يخفف فقط من وطأة الصراعات الإقليمية على الداخل اللبناني، ولكنه سيسمح لهذه النخب الحاكمة بإدارة علاقاتها الإقليمية بأساليب أكثر فاعلية تنطلق من المصالح المشتركة وتخضع للمسألة الشعبية.
من هنا فإن تمكين المجتمعات العربية، الواقعة في محور الاعتدال والممانعة على السواء، في الذهاب التدريجي إلى استحقاقات انتخابية حقيقية، لا يعني بالضرورة انقلابا جذرياً في تركيبة النخب الحاكمة، بقدر ما يعني تدعيماً وتحصيناً للبنية المؤسسية لهذه الدول من خلال ردفها بالعمق الشعبي التعددي وبالمشروعية الانتخابية وبالقدرة على تجديد دماء النخب الحاكمة. في انتظار ذلك سيظل الناخب اللبناني يلقي بورقة الانتخاب في صندوق الاقتراع، والعيون المتفرجة للمواطن العربي ترمقه بحسد، وهو يختار نوابا ينوبون عنه وعن النخب الحاكمة في صراعاتها وتوازناتها الإقليمية.
النهار




















