التاريخ حافل بالمعارك الفكرية الشهيرة. في العلوم الطبيعية، أدّت هذه المعارك عادة إلى انتصارات حاسمة حيث تقضي العلوم الجيدة على العلوم السيئة. لم يبقَ هناك سوى القليل من علماء الفلك البطليموسيين أو من المؤمنين بنظرية الاحتراق القائمة على مادة اللاهوب. أما في العلوم الاجتماعية فالوضع مختلف. كان هناك الكثير من المعارك الشهيرة، لكن لم تتحقق انتصارات حاسمة. بالفعل، تتميّز العلوم الاجتماعية بأن معاركها لا تنتهي، فالإخفاقات المتكرّرة تتبعها إعادة تجمّع القوى المهزومة لشن هجوم متجدّد.
من الواضح أن علم الاقتصاد ليس علماً طبيعياً، وذلك نظراً إلى الاشتباكات غير الحاسمة التي تخللت تاريخه. قبل مئة عام، كانت النظرية الكلاسيكية هي السائدة. وقد "أثبتت" أن الأسواق الحرة تتكيّف بصورة ذاتية وتلقائية مع التشغيل الكامل. فإما تكون هذه الأسواق في حالة مستمرة من التشغيل الكامل، أو في حال تعرّضت لصدمة خارجية، تستعيد بسرعة التشغيل الكامل. كان الشيء الوحيد القادر على إفساد ما تقوم به يد السوق غير المرئية هو اليد المرئية للتدخل الحكومي.
ثم حصل الركود الكبير بين 1929 و1932، وبرز جون ماينارد كينز. "أثبت" كينز أنه ليس لدى الأسواق ميل تلقائي إلى التشغيل الكامل. وشكّل فشل اليد غير المرئية تبريراً للسياسات الحكومية الهادفة إلى الحفاظ على التشغيل الكامل.
طوال نحو 30 عاماً، حكمت الكينزية علم الاقتصاد – والسياسة الاقتصادية. كانت جامعة هارفرد الملكة، ولم يكن لجامعة شيكاغو أي دور. غير أن الأخيرة كانت تتعافى من جراحها. وفي الستينات، شنّت هجوماً مضاداً. وقد قاد الهجوم الجديد ميلتون فريدمان وتبعته كوكبة من الطلاب الشبان الأذكياء. ما فعلوه هو إعادة إرساء النظرية الكلاسيكية. ومارست "إثباتاتهم" بأن الأسواق تتكيّف بصورة ذاتية، على الفور أو على الفور تقريباً، من أجل تحقيق التشغيل الكامل، تأثيراً قوياً لأنه بات يُعبَّر عنها في الرياضيات. التوقّعات التكيّفية، التوقعات المنطقية، نظرية دورة الأعمال الحقيقية، نظرية السوق المالية الفاعلة – خرجت كلها من مصنع جامعة شيكاغو، وحاز مخترعوها على جوائز نوبل.
لم يكن صانعو السياسات يفهمون الرياضيات، لكن الرسالة وصلتهم: الأسواق جيدة، والحكومات سيئة. تراجع الكينزيون. بعد رونالد ريغان ومارغرت تاتشر، جرى التخلي عن سياسات التشغيل الكامل الكينزية، ورُفِعت التنظيمات عن الأسواق. ثم وقعت الأزمة الحالية التي تشبه الركود الكبير، وانطلقت المعركة من جديد.
يعرف متتبّعو المدوّنات أن السبب الأساسي وراء الاشتباك الحالي هو تأثير "التحفيز". ولا بد من أن قرّاء "فايننشال تايمز" كوّنوا لمحة خاطفة عن حدّة هذه المعركة في عمود نيال فرغوسون في 30 أيار بعنوان "درس تاريخي لخبراء الاقتصاد المستعبَدين لكينز". سبق أن تواجه البروفسور فرغوسون وبول كروغمان، خبير الاقتصاد وكاتب العمود الخاص في صحيفة "نيويورك تايمز"، في ندوة عامة في نيويورك في 30 نيسان. كان المؤرّخ قد أكّد أنه من شأن العجوزات المالية الكبيرة أن تؤدّي إلى ارتفاع معدلات الفوائد في المدى الطويل، مما يعني أنه لن يكون لها أي تأثير تحفيزي: من شأن الإنفاق العام أن "يحشر" ببساطة الإنفاق الخاص فلا يترك له متنفساً.
فرد كروغمان الغاضب على مدوّنته أن كينز أثبت أن هذا "الحشر" لا يتم إلا في حالة التشغيل الكامل: إذا كانت هناك موارد غير مشغَّلة، لا تؤدّي العجوزات المالية إلى زيادة معدلات الفوائد من دون توسيع الاقتصاد أيضاً. واعتبر أن ملاحظات البروفسور فرغوسون الجاهلة تؤكّد فقط "أننا نعيش في عصر مظلم في مجال الاقتصاد الكلي، حيث دخلت المعارف المكتسبة بشق النفس طي النسيان بكل بساطة".
لكنه ليس نقاشاً بين خبراء الاقتصاد والمؤرخين. بل إنها معركة في صفوف ممتهني علم الاقتصاد – بين خبراء الاقتصاد الكلاسيكيين الجدد من جهة والكينزيين الجدد من جهة أخرى. المدهش هو أننا أمام تكرار شبه دقيق للنقاش بين كينز ووزارة الخزانة البريطانية في 1929-1930.
كانت وزارة الخزانة تعتبر أنه من المحتّم أن يؤدّي الإنفاق العام المموَّل من السندات، إلى خفض الإنفاق الخاص بمبلغ مساوٍ للزيادة في الإنفاق العام. فرد كينز بأنه لو كان هذا صحيحاً، لانطبق على أي فعل جديد من أفعال الإنفاق الخاص. "باختصار، الاعتقاد القدَري بأنه لا يمكن أن يكون هناك تشغيل أكبر من التشغيل الموجود لا يستند إلى أي أساس من الصحة".
لاحقاً تراجعت وزارة الخزانة إلى موقف أكثر قابلية للدفاع عنه. فاعتبرت أن خطر الإنفاق الحكومي الزائد لا يكمن في الحشر "المادي" للموارد إنما في الحشر "النفسي". إذا برزت شكوك حول ملاءة الحكومة – وهذا مصدر قلق اعترف به البروفسور كروغمان- فمن شأن ذلك أن يؤدّي إلى هروب الرساميل مما يزيد كلفة الاقتراض الحكومي.
هل حُكِم علينا أن نكرّر الحجج نفسها باستمرار؟ في هذا النقاش بالذات، أؤيّد البروفسور كروغمان لكنني لا أوافق بأن موقف البروفسور فرغوسون هو عودة إلى نظرية اقتصادية وهمية. فهذا يعني التعامل مع الاقتصاد على أنه علم طبيعي، الأمر الذي لم يعتقد به كينز قط لأنه كان يعتبر أن موضوعه يتغيّر كثيراً مع مرور الوقت.
اعتبر كينز أننا بحاجة إلى نماذج اقتصادية مختلفة في الأزمنة المختلفة. يكمن جمال نظريته المعروفة ب"النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود"، بأنها كانت عامة بما يكفي لاستيعاب مجموعة متنوّعة من النماذج التي تنطبق على ظروف مختلفة. تستطيع الأسواق أن تتصرّف بطرق موصوفة في النظريات الكلاسيكية والكلاسيكية الجديدة، لكنها ليست بحاجة إلى ذلك. ولهذا كان من المهم اتخاذ احتياطات في وجه السلوك السيئ. في نهاية المطاف، لم تكن الثورة الكينزية انتصاراً للعلوم الجيدة على العلوم السيئة، إنما انتصار لحسن التقدير على سوء التقدير.
"فايننشال تايمز"
ترجمة نسرين ناضر
(أستاذ في علم الاقتصاد السياسي يصدر له في أيلول كتاب بعنوان John Maynard Keynes: The Return of the Master (جون ماينارد كينز: عودة السيد).)
"النهار"




















