نشأت إما مع والدَين وإما من دون والد، بحسب نظرة الشخص إلى الأمر، ولطالما كان عيد الأب مثيراً للاضطراب بالنسبة إلي: ففي هذا اليوم أشعر بالانقسام أو أدعه يمر بصمت. كان والداي ديبلوماسيَّين – أحدهما أوسترالي والثاني أميركي – وهكذا أصبحت علاقاتي بهما أكثر تسبّباً بالدوران، فقد نمت لتشمل الدولتين اللتين يمثّلانهما.
في صغري، التقى والداي زوجين آخرين وتبادل كل منهم الشريك: تطلّقوا جميعاً وتزوّجوا من جديد. فاصطحب والدي زوجته الجديدة وبناتها في مساره الديبلوماسي الأوسترالي، واصطحبنا زوج والدتي أنا وشقيقتي وأمي في مساره الأميركي.
كانت الرسائل والهدايا تتدفّق عبر المحيطات بين الآباء والبنات، لكننا لم نرَ بعضنا أو نتبادل الكلام طوال سبع سنوات. وقد اكتسبنا شقيقتي وأنا تدريجاً شهرة زوج والدتي والجنسية واللهجة الأميركيتين، في حين أنه في الجانب الآخر من العالم، اكتسبت أخواتنا من زوجة والدنا شهرة أبينا وكل ما هو أوسترالي وكان لنا من قبل. كانتا تسمّيان والدنا "أبي" Daddy، كما كنّا نفعل نحن في الرسائل إنما نادراً بصوت عالٍ؛ وكانتا تناديان والدهما الحقيقي "الوالد" Father، أما نحن فكنا نناديانه باسمه.
عندما رأينا شقيقتي وأنا والدنا من جديد، كنّا قد عدنا إلى واشنطن وكان يعمل مندوباً لأوستراليا في الأمم المتحدة في نيويورك. كنت في الحادية عشرة من عمري ولم أرَ مسقط رأسي منذ سن الرابعة. وقد بدت لهجة والدي الأجنبية عندما سمعنا صوته وأخيراً وقطع الخشب المعقوفة (بمرنغ) على جدران مكتبه والعلم مع صليب الجنوب، أوسترالية الطابع ومميِّزة له على السواء.
بحلول هذا الوقت، كان زواج والدتي الثاني قد فُسِخ، ولم يكن لدينا والد في المنزل. كان زوج والدتي السابق يأتي في نهاية الأسبوع لاصطحاب ابنه. وغالباً ما كان يحضر معه غنيمة من وزارة الخارجية: سكّيناً مع قلم أسود صغير عليه الختم الأميركي أو أقلاماً ذهبية كروية الرأس مزيّنة بتوقيع نيكسون. كانت أغراضاً مضحكة إنما قيّمة بطريقة غامضة، وتشكّل إثباتاً أساسياً على الرابط مع نيكسون ومع إحساس سحري بقوة الرؤساء الدخانية.
كان والدي يزور البلاد سنوياً في مهمة خاصة بالدولة. كان يبعث أولاً برسالة يعلمنا فيها بالزيارة ثم يتصل سكرتير في السفارة لتحديد موعد العشاء أو ليسألني إذا كنت أريده أن يحضر معه شيئاً – عجينة Vegemite؟ حلويات Jaffas؟ كانت طوابع طائر القاوند الضحّاك التي يضعها على مغلفات الرسائل والاتصالات الهاتفية المهمة بالنيابة عن السفير تحمل معها نفحة من الهواء الأوسترالي. كنت أحتفظ بها مثل فتاة من فتيات الأساطير مغرمة بإله الشمس، وتتلهّف للاحتراق بوجوده، كإثبات على هذا الوجود.
Waltzing Matilda [النشيد غير الرسمي لأوستراليا التقليدية]، النجوم والخطوط [في إشارة إلى العلم الأميركي]. الأمو والكنغر، النسر. لقد تحوّل والداي البعيدان فكرة تجريدية مجسّدة في هذه الرموز، وبات كل منهما حاضراً في نغمة نشيد أو رفرفة علم. الأول هو أوستراليا، والثاني هو الولايات المتحدة. لكن الأكثر تجريدية كان التوق المرتبط بهذين الرجلين، فهما لم يكونا جزءاً من الوطن وحسب، بل كانا يجسّدان الوطن، لقد أعطيانا اسمَيهما وبلدَيهما ثم رحلا، تاركَين تذكارات عن وجودهما وغيابهما.
في صباي، لم أستطع أن أستقر بل كنت أتنقّل باستمرار متساءلة أين يجدر بي أن أكون.
قبل عقد، تزوّجت وانتقلت مع زوجي إلى ألمانيا – مثل الذهاب إلى مكان جديد مع والد جديد. هناك حظيت بالوقت للتفكير والكتابة، وعندما بدأت نشر كتبي، قررت ألا أستعمل شهرة والدي ولا شهرة زوجي، بل شهرة خاصة بي. في ألمانيا أيضاً – الغائمة والرمادية جداً – فكرت ملياً في المكان الذي أنتمي إليه أكثر من سواه، وعدت منذ وقت قصير إلى أميركا.
عند عودتي، كنت في صدد كتابة مذكّرات عن العائلة، عن الفتيات المنقسمات بين الآباء والبلدان. لا أظن أن أياً من والدَيّ كان على علم بالحيّز الكبير المخصّص له في الكتاب على صعيدَي المكان والشخص، وعندما قلت لهما العام الماضي إن الكتاب على وشك الصدور، اضطربا: وكأنني أفشي أسرار الدولة.
لم أرسل قط بطاقات في عيد الأب، لكن لطالما فكّرت كثيراً بالرجلين. لا بطاقة لكن هذه السنة كتاب عن فتاة لديها والدان. ساد صمت طويل وغاضب عندما نقلت إليهما الخبر أول مرة، والآن صدرت المذكّرات. يلتزم أحد الوالدين الصمت؛ لا أعرف إذا قرأها. لكن الثاني قرأها، وقد كتب يقول إنها جرحته وأحزنته، لكنه لا يزال يحبني. هو لا يقول، مع أن
كلينا نعرف كما أظن، أننا لن نرى بعضنا من جديد على الأرجح.
"نيويورك تايمز"
ترجمة نسرين ناضر
(مؤلفة مذكرات The Sisters Antipodes)
"النهار"




















