مسار متعرج هذا الذي تسير عليه إدارة الرئيس باراك أوباما فيما خص ملفات الديموقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي. فقد شهدت الأشهر الأولى من عمر الإدارة تقليصا حقيقيا في المخصصات المالية لبرامج دعم الديموقراطية، كان أكثر حالاته وضوحا طلب البيت الأبيض من الكونغرس في موازنة 2009-2010 اعتماد 20 مليون دولار لبرامج دعم الديموقراطية والمجتمع المدني في مصر عوضا عن 50 مليون دولار طلبتها إدارة بوش قبل رحيلها في موازنة 2008-2009. تراجع كذلك توظيف مفردات الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان في الخطاب العلني لرموز الإدارة حول العالم العربي وقضايا السياسة الدولية بصورة عامة، وترك منصب المسؤول عن الديموقراطية وحقوق الإنسان في مجلس الأمن القومي ومنصب مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الديموقراطية وحقوق الإنسان والعمل – وهما المعنيان بالتخطيط الاستراتيجي وبالتسيير العملي لبرامج دعم الديموقراطية – شاغرين من دون تعيين إلى اليوم.
بيد أن أوباما، وعلى خلاف التوقعات الغالبة داخل الولايات المتحدة وخارجها، عاد وتطرق في خطابه للعالم الإسلامي من القاهرة إلى دعم الديموقراطية بصياغات مركبة دللت من جهة على كونها ما زالت تشكل أحدى أولويات واشنطن الرئيسية ومن جهة أخرى على تبلور قراءة نقدية في أروقة الإدارة الحالية لممارسات سابقتها في هذا المجال. عبر إشارة سالبة صريحة إلى الحرب على العراق، سعى أوباما إلى التطهر من خطيئة الخلط بين الديموقراطية وتغيير انظمة الحكم المناوئة للولايات المتحدة باستخدام القوة المسلحة التي ارتكبها سلفه وولدت بين العرب والمسلمين العديد من الشكوك حول الأهداف الأميركية الحقيقية من وراء رفع شعار دعم الديموقراطية. ثم أتبع ذلك، وعبر إشارة سالبة ثانية وإن مبطنة لرفض الولايات المتحدة الاعتراف بنتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 2006 التي جاءت بحركة «حماس» إلى مقاعد السلطة وما رتبه من نقاش واسع حول ازدواجية معايير إدارة بوش ونزوعها إلى قبول الممارسة الديموقراطية فقط حال رضاها عن نتائجها، بتشديد على حتمية احترام حق الشعوب في اختيار حكامها بحرية من دون تدخل خارجي وعلى أن واشنطن ستقبل كل الحكومات المنتخبة ديموقراطيا حتى وإن اختلفت معها، شريطة التزامها سلمية الحياة السياسية بالتخلي عن القمع وتطبيقها مفردات الديموقراطية الرئيسية المتمثلة في حكم القانون وتداول السلطة وضمان حريات المواطنين والمساواة بينهم على تنوع هوياتهم الدينية والمذهبية والعرقية. على هاتين الإشارتين السالبتين عول أوباما في خطاب القاهرة لإعادة الديموقراطية إلى ساحة فعلها الواقعية في السياسة الخارجية الأميركية كما رسمتها إدارات الحزب الديموقراطي منذ نهاية السبعينيات (كارتر وكلينتون) ونظرت من خلالها واشنطن إلى مفردات حكم القانون وتداول السلطة والحرية والمساواة بين المواطنين كحقوق إنسان عالمية تدافع عنها وتدعم التطور نحوها بالوسائل السلمية حين لا يتعارض ذلك مع حماية مصالحها الاستراتيجية الكبرى.
لم يكن تطرق أوباما إلى دعم الديموقراطية في خطاب القاهرة بمجرد التنازل الاعتذاري لمنتقديه داخل الولايات المتحدة وفي العالم العربي الذين لاموا عليه عدم التوجه إلى عاصمة أخرى ذات سجل أفضل في مجال الديموقراطية وحقوق الإنسان، بل تعبيراً عن مقاربة واقعية جديدة تعمل إدارته على تطويرها في فضاء إقليمي تملأه جيو – استراتيجيا وسياسيا التحديات والقيود الموضوعية قبل المحفزات. فالحكومات العربية الصديقة لواشنطن تنفست الصعداء بعد رحيل بوش وترغب في تكثيف تعاونها مع ادارة اوباما لجهة التعاطي مع الملفات الإقليمية التي أهملها بوش طويلا كالقضية الفلسطينية أو أخفق في إدارتها كتداعيات الحرب على العراق وما صاحبها من تهديد لترتيبات أمنية بدت مستقرة قبل 2003 وتمدد في النفوذ الإقليمي لإيران أضحى يشكل خطرا على المصالح الأميركية والعربية. هذه الحكومات سئمت خلال الأعوام الماضية خطاب بوش حول الديموقراطية وصنفت الممارسات المرتبطة به كتدخل مرفوض في شؤونها الداخلية، وهي اليوم أبعد ما تكون عن الترحيب بالمساعي الأميركية لتجديد سياسة دعم الديموقراطية حتى وإن اختلفت الوجهة والمضامين مع الإدارة الحالية عن سابقتها. الأمر اللافت هنا هو أن بعض الحكومات العربية، مدفوعة بقناعة لها ما يبررها تقضي بحاجة الولايات المتحدة لها لحماية مصالحها الاستراتيجية في عالمنا، شرعت بنجاح في التأسيس لمشروطية عكسية تهدف الى ضبط الحوار مع أوباما حول الديموقراطية وفقا لإيقاعاتها هي وليس بالضرورة لتلك الصادرة عن واشنطن. على سبيل المثال، أشارت صحيفة Wall Street Journal في تقرير أخير لها إلى أن الخارجية الأميركية وافقت على طلب القاهرة الالتزام بقصر تقديم الدعم لحركات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان على تلك الحركات والمنظمات التي تحظى بقبول السلطات المصرية.
أمام إدارة أوباما أيضا تحديان إضافيان حتما سيعوقان جهودها لتطوير مقاربة واقعية من قضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي، أولهما يتمثل في استعادة الولايات المتحدة للبعض المحدود من المصداقية الذي راكمته في هذا المجال منذ نهاية السبعينيات وفقدته على وقع انتهاكات وتجاوزات الحرب على الإرهاب وبفعل التعامل المزدوج المعايير مع نتائج الانتخابات الفلسطينية في 2006، وكلاهما خلف مرارة خاصة بين العرب والمسلمين. أما التحدي الإضافي الثاني فيتعلق، وبرغم تأكيد أوباما في خطاب القاهرة على رغبة إدارته قبول الحكومات المنتخبة ديموقراطيا شريطة التزامها سلمية الحياة السياسية حتى وإن اختلفت مع واشنطن، بالصعوبات الجمة التي تعترض ترجمة هذه اللغة المبدئية إلى سياسات في فضاء إقليمي به من المصالح الاستراتيجية الأميركية وما يرد عليها من تهديدات الشيء الكثير. وإن حالت نتائج الانتخابات اللبنانية في بدايات الشهر الجاري، بما أفضت إليه من انتصار واضح للقوى القريبة من الولايات المتحدة، دون فرض أول اختبار جدي على إدارة أوباما في هذا السياق كانت ستواجهه لو نجح «حزب الله» وحلفاؤه في الحصول على أغلبية برلمانية، إلا أن تطورات المشهد الإيراني بعد الانتخابات الرئاسية تمتحن اليوم بدقة وفي موضع إقليمي قريب من العرب ومؤثر في شؤونهم قدرتها على التموضع بحيادية إزاء المصير السياسي لفريقين، أحدهما يناصبها صريح العداء بينما يبدو الآخر راغبا في الانفتاح عليها.
لن تمكن التحديات والقيود الموضوعية النابعة من الفضاء الإقليمي أوباما من تجاوز مسار إدارته المتعرج بشأن دعم الديموقراطية وحقوق الإنسان، بل الأرجح أن تفرض عليه، خاصة مع ازدحام الأجندة العربية بالانتخابات الرئاسية والتشريعية المهمة في العامين المقبلين، المزيد من تعرج الأفعال والممارسات وتراجعاً تدريجياً لاحقاً للغة المبدئية لخطاب القاهرة.
* كاتب مصري.
"الحياة"




















