المستقبل –
التاريخ يكتبه المنتصرون.
تؤكد هذه الحقيقة العلمية الاحتفالات التي جرت على جانبي المحيط الأطلسي (في أوروبا والولايات المتحدة ) بمناسبة ذكرى ما يُعرف باسم "دي داي" وهو يوم الهجوم الساحق الذي شنّه الحلفاء على ألمانيا عبر بحر المانش في منطقة النورماندي الفرنسية.
فالكلام عن هذا الانتصار الذي شكّل بداية النهاية للحرب العالمية الثانية، والذي يتردد منذ عام 1945 حتى الآن يركز على بطولات قوات الحلفاء وعلى أهمية الخطط العسكرية التي وضعت، وعمليات التنسيق الناجحة بين القوات البحرية والبرية والجوية. ولكن لا يذكر أي شيء عن القوات الألمانية ومقاومتها. وهذا طبيعي، ذلك ان هذه القوات خسرت الحرب. وليس للخاسر دور في كتابة التاريخ !!.
ومما لم يستطع الخاسرون الألمان أن يكبتوه هو ان قوات الحلفاء كانت تتمتع بتفوق في عدد القوات وفي عدد الآليات والطائرات، جعل من الصمود الألماني في وجه القوات الزاحفة أمراً مستحيلاً. الا ان تلك الاستحالة لم تحل دون صمود ألماني أسطوري لم يعد باستطاعة الحلفاء إنكاره.
فمن حيث العديد مثلاً، كانت نسبة قوات الحلفاء الى القوات الألمانية تساوي عشرة الى واحد. أي مقابل عشرة جنود من الحلفاء كان يوجد جندي ألماني واحد. ومن حيث سلاح المدفعية كانت نسبة تفوّق الحلفاء تبلغ خمسين مدفعاً مقابل كل مدفع ألماني.
اما في سلاح الجو، فإن النسبة كانت خيالية. ذلك ان القوات الجوية للحلفاء كانت تغطي سماء المنطقة المترامية الأطراف في غياب شبه تام للطيران الألماني.
وشهد بحر المانش أكبر حشد في تاريخ الحروب في العالم لقوات عسكرية بحرية. فقد دفع الحلفاء الى المعركة خمسة آلاف سفينة إنزال تواكبها 277 كاسحة ألغام و52 سفينة حماية و 104 مدمرات و 23 مقاتلة و6 سفن هجومية وسفينتا مراقبة واتصال.
رغم ذلك لم يتراجع الألمان أمام هذا الحشد الكبير. وهذا جانب مما أهمله التاريخ..
اما الجانب الآخر من الإهمال فهو ان القصف الكثيف الذي تعرضت له المدن الفرنسية التي كانت تحت الاحتلال الألماني أدّت الى مقتل 70 ألف مدني من سكان تلك المدن والبلدات، وهذا الرقم يزيد على عدد الضحايا البريطانيين الذين سقطوا نتيجة القصف الألماني لبريطانيا طوال الحرب !!.
ولعل من أهم ما أغفله التاريخ ايضاً هو مصير الفرنسيين الذين اتُهموا بالتعامل مع الألمان. فقد بلغ عدد هؤلاء 14 ألف فرنسي وفرنسية جرى إعدامهم جميعاً دون محاكمة، أو بعد محاكمات صورية سريعة أعادت الى الأذهان مشاهد "عصر الترهيب" اثناء الثورة الفرنسية حيث كانت محاكم الشوارع تصدر احكامها بقطع رؤوس المعارضين من خلال المقصلة. وقد تعرّض المتهمون بالعمالة للألمان الى التشهير والاهانة قبل تنفيذ "أحكام" الاعدام. فقد نظموا في استعراضات في شوارع المدن التي عاشوا فيها تحت الاحتلال الألماني وهم شبه عراة وحليقي الرؤوس.. أو بعد تلطيخ وجوههم بالزفت الأسود. وكان نصف هؤلاء المتعاملين مع الألمان في منطقة "بريتاني" من النساء!!.
وهذا يعني ان 85 ألف فرنسي قتلوا تحت قصف الحلفاء وفي مهرجانات الاعدام الجماعية.
اما المقاومة الفرنسية التي تعاونت مع الحلفاء ضد المحتل الألماني، فقد كتبت هي أيضاً تاريخها من موقع المنتصر. وأضفت على دورها من مظاهر البطولة ما بلغ حدّ القداسة. ومن حقها ذلك لأنها قدمت معلومات مهمة للحلفاء عن مواقع القوات الألمانية وعديدها. وحرست الجسور أمام قوافل الحلفاء ووجهت ضربات مؤلمة الى المحتلّين من الخلف فيما كان هؤلاء يواجهون قوات الحلفاء الزاحفة.
غير ان الواقع لم يكن بحجم الصورة التي كتبتها المقاومة الفرنسية عن نفسها. وهو لم يكن عكس ذلك على كل حال. فالكاتب انطوني بيفر مؤلف كتاب "دي داي : معركة النورماندي" وصف المقاومة الفرنسية بقوله: "لقد كانت أفضل مما توقع الحلفاء وأقل مما روّجت له".
على ان أهم ما أغفله تاريخ المنتصرين في الحرب العالمية الثانية هو الترجمة السياسية لهذا الانتصار. فالمجازر التي ارتكبتها القوات النازية ضد اليهود بصورة خاصة، دفع ثمنها الفلسطينيون. ذلك انه بعد ثلاث سنوات على انتهاء الحرب، أعلن قيام اسرائيل على الأرض الفلسطينية بعد ان هجّر أهلها بالقوة المسلحة وبعد سلسلة من العمليات الارهابية – دير ياسين- ومن خلال مجازر لا تقل وحشية عن تلك التي ارتكبتها القوات الألمانية.
لم يكتب المنتصرون في الحرب هذا الفصل الأسود من التاريخ الذي جعل من انتصارهم العسكري هزيمة ساحقة لقيم الحق والعدالة والانسانية. والى قيام نازية جديدة في فلسطين المحتلة تحت مظلة استعادة حق إلهي مزعوم. لم تنفع كل مساحيق التجميل التي استخدمدت فيما بعد لإخفاء معالم هذه الجريمة التاريخية من الاعلان العالمي لحقوق الانسان (1948) الى شرعة الأمم المتحدة.
لقد فرض على النازية الألمانية العقاب الذي تستحق. ولكن ما ذنب الفلسطينيين والعرب؟. لقد ظُلموا كما ظُلمت الحقيقة. ذلك ان وقائع التاريخ شيء.. وكتابته شيء آخر.




















