كان منطق حزب الله وحليفه الجنرال عون قبل الانتخابات انهما يريدان الحصول على الغالبية، فيزيلان الأكثرية "الوهمية" ويشكلان حكومة يصران فيها على اشراك الأقلية. وعندما حدث العكس اي ان الأكثرية ظلت كذلك، تردد الجنرال عون قليلاً ثم قال انه لم يتغير شيء، وانه يريد المشاركة من طريق النسبية. وتحدث الأمين العام للحزب فسلم بالخسارة، وطمأن جمهوره الى انه لم يخسر، وان لم يحصل على الأكثرية، وانتهى به الأمر في الخطاب الأخير الى انه يريد الرئيس بري رئيساً لمجلس النواب من جديد، اما الحكومة فينتظر بشأنها عرض الرئيس المكلف.
بيد أن اللافت في خطاب عشية الاربعاء الماضي العودة للتوتر والتوتير من طريق مهاجمة البطريرك صفير وعرض مفهومه لعروبة لبنان وسورية وإيران وتحدي من يريد مناقشة مسألة ولاية الفقيه وتأثيراتها على لبنان باعتبارها امراً اعتقادياً دينياً لا يصح ادخاله في السجال السياسي. الذي اثار الامين العام للحزب على البطريرك بيانه عشية الانتخابات الداعي للحفاظ على هوية لبنان وعروبته.
فالرجل لا يسلم للبطريرك ان عروبة لبنان مهددة، لأن حزب الله عربي والسوريون عرب وكذلك الامام الخامنئيي، اذ هو من سلالة فاطمة الزهراء بنت النبي العربي. والمسألة هنا ذات شقين شق يتعلق بهذا الفهم للعروبة وشق يتعلق بالبطريرك. ولماذا تذكر الامين العام للحزب بيان البطريرك الآن، فالواضح ان البطريرك والآخرين الذين اكدوا على عروبة لبنان خلال الحملة الانتخابية ما كانوا يقصدون التشكيك في السلسلة النسبية للقيادة الاسلامية في ايران. بل كان المقصود صون استقلال لبنان واستقراره في محيطه العربي وعدم الدخول في برامج ومشروعات تخل باستقلال لبنان او تجعله ساحة للصراعات بما في ذلك المحور الايراني الذي يتصدى كما يقول للمشروع الاميركي في المنطقة. وهذا الامر اكده الرئيس محمود أحمدي نجاد عندما ذهب الى ان الانتخابات في لبنان سوف تغير وجهه وتغير المنطقة اطمئناناً الى دور حزب الله وحلفائه فيها. ولذا من حق البطريرك وآخرين كثيرين من اللبنانيين والعرب ان يقلقوا على مصير لبنان بعد ان شاهدوا ما عانوا في السنوات القليلة الماضية. اما ذكر البطريرك بالذات بعد اسبوعين على الانتخابات فسببه في تقديري انذار المسيحيين بألا يعتبروا البطريرك فوق النقد، والمضي مع الجنرال عون والنائب سليمان فرنجية في الحملة عليه.
اما ذكر ولاية الفقيه وانذار من يتطاول لمناقشتها فسببه اثارة الجمهور وتنبيهه الى ان عقيدته تتعرض لأخطار من جانب 14 آذارّ. وأنا أشارك الأمين العام للحزب انزعاجه من بعض ما قيل بشأن ولاية الفقيه، ولا ارى فائدة في اثارتها. لكن كما في مسألة العروبة، فإن السيد حسن كان اول من أثارها عندما قال في احد خطاباته انه خاض حروباً تحت راية ولاية الفقيه، وسوف يخوض حروباً اخرى ان طلب اليه ذلك. وولاية الفقيه ليست جزءاً من العقيدة الشيعية بالفعل، كما أنه كما ذكر السيد لا إجماع عليها. انها اجتهاد من الامام الخميني، تبناه بعض الفقهاء، وجماهير غفيرة بداخل ايران وخارجها. ومن حق حزب الله ان يقول بها أو لا يقول، لكن مرة أخرى فالذين ذكروا ولاية الفقيه في مجال التعيير يقصدون بذلك ان الحزب جزء من منظومة في المنطقة رأسها ايران، وتتفرع عن ذلك الفسائل والأغصان وأهمها في المنطقة العربية حزب الله. ومع ان منظومة "ولاية الفقيه" ليست جزءاً من الاعتقاد؛ لكنني لا ارى ان تذكر في معرض التعيير او التشهير، لان ذلك يسيء لمشاعر اناس كثيرين من المؤمنين بها.
في الخطابين اللذين القاهما الامين العام للحزب بعد الانتخابات تبرز عدة أهداف: الاول طمأنة الجمهور الى ان الحزب قوي ولا يستطيع احد تحديه رغم عدم حصوله على الاكثرية. الثاني تحميل الاكثرية كل "المسؤولية" عن الانتصار مثل الدعم الامبريالي الاميركي ومثل المال السياسي. والثالث كسر العناق الحصاري الذي يواجهه به الجميع بالداخل والخارج. فقد أتى عصر الوفاق على المنطقة والحزب غير مستعد له. لكنه يعرف انه لا يستطيع التعطيل هذه المرة. لذلك يدفع الجنرال عون الى الواجهة. والرابع اظهار الاطمئنان الى الاوضاع في ايران باعتبار ان معسكر نجاد ما يزال راجحاً وكذلك معسكر الحرس الثوري. فايران بحسب الامين العام للحزب في "محنة" لكنها تستطيع الخروج منها بفضل نورانية المرشد الاعلى.
ولنتأمل في الخاتمة مشهد الحزب بايجاز. هناك صعوبة كبيرة في ان يشن الحزب حرباً، بيد ان سلاحه يحتاج على الدوام الى تبرير، وقد استخدمه بالداخل فتضرر في الانتخابات ضرراً بالغاً. وتمعن سوريا في الحيادية والابتعاد، وقد يدخل الايرانيون في تفاوض مع الولايات المتحدة، ولذا فقد اندفع الحزب ليقوي وضعه الداخلي استعداداً للتغيير او لمزيد من الحماية لسلاحه ووضعه. لكنه خسر في الانتخابات وجاءت الانتخابات الايرانية وتداعياتها بخلاف المتوقع. فاشتد به الضيق وراح يبحث في الدفاتر والجيوب القديمة عما يعتبره مساوئ الاكثرية وفضائله هو، وعن وسائل لحفظ التماسك في جمهوره عن طريق التوجه اليهم كثيراً. انها حقبة تشارف على الانتهاء وما يزال الحزب متشبثاً باعراف الحقبة السابقة ويشجعه على ذلك مزاج الجنرال وغموض السوريين. وان غداً لناظره قريب.
"المستقبل"




















