المستقبل –
"بعد الف سنة أيضا لن تجد إسرائيل فلسطينيا واحدا يوافق على قبول شروط نتنياهو". هكذا، بفظاظة وقسوة، رفض الفلسطينيون اليد الممدودة لرئيس حكومة إسرائيل. وهكذا، كعادتهم، فوتوا فرصة اخرى للسلام ولإقامة دولة فلسطينية.
ماذا يوجد في خطبة نتنياهو كي يدفعهم إلى اصدار مثل هذا الرد المتطرف والشديد؟ هل يتعلق الأمر بقوله ان الحدود بين الدولتين ستتحدد في مفاوضات التسوية الدائمة وطلبه حدودا قابلة للدفاع عنها؟ فهم يعرفون ان العالم بغالبيته يؤيد موقفهم المتصل بالحدود، كما جرى الاتفاق في اتفاق اوسلو ايضا على ان يبحث الموضوع في التسوية الدائمة. هل السبب هو مطالبة نتنياهو تجريد الدولة الفلسطينية من السلاح؟ لقد استخفوا دائما بالاتفاقات التي وقعوها في هذا الموضوع، ومن البديهي أنهم سيستخفون مرة اخرى اذا وقعوا مرة اخرى (تذكروا عرفات الذي هرب السلاح بسيارته عندما وصل إلى إسرائيل، ما شكل خرقا فاضحا لاتفاق اوسلو الذي وقع عليه).
ان ما دفع الفلسطينيين إلى الرفض المطلق لكلام نتنياهو يكمن في مطلبه الحازم منهم بضرورة الاعتراف بدولة إسرائيل. إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، والشرط الاساسي للسلام هو الاعتراف بالطرف الثاني. لقد طرح نتنياهو على الفلسطينيين والعرب هذا الشرط الاساسي البسيط، وقال ان إسرائيل مستعدة للتنازلات لانهاء النزاع.
في خطابه، نقل نتنياهو كرتين الى ملعبين. فقد نقل اقتراحا عادلا للسلام، الى الملعب الفلسطيني، وبشروط تتيح الحصول على تأييد واسع للجمهور الإسرائيلي. الكرة الثانية نقلها الى ملعب اليسار الإسرائيلي.
ثمة شيء واحد غاب عن خطاب نتنياهو. حسنا فعل لو أنه تصرف مثل اسحاق رابين، الذي قام في خطابه الاخير قبل اغتياله والذي حدد فيه مسار التسوية الدائمة، بوضع خطوط حمر تتضمن وحدة القدس والحفاظ على الكتل الاستيطانية وعلى غور الاردن "بالمعنى الأوسع لهذا المفهوم". خسارة ان نتنياهو لم يكرر هذه الاقوال (ما عدا وحدة القدس). وعلى الرغم من ذلك فإن أقوال نتنياهو تشكل أساسا للاجماع القومي.
نتنياهو، زعيم اليمين القومي في إسرائيل، تخلى في خطابه عن رؤيا أرض إسرائيل الكاملة وتبنى مبدأ تقسيم البلاد ـ ليس من منطلق التنازل عن حقنا على البلاد، بل انطلاقا من الرغبة في عدم السيطرة على الفلسطينيين وفي ضمان الطابع اليهودي والديمقراطي للدولة.
السجال حول "أرض إسرائيل" الكاملة وتقسيمها شق الجمهور والوسط السياسي في السنوات الاربعين الماضية، على الرغم من حقيقة ان الفلسطينيين رفضوا كل اقتراح إسرائيلي ـ بما فيها المقترحات المفرطة وغير المعقولة لباراك، اولمرت ولفني. اما نتنياهو فقد بنى في خطابه قاعدة لإجماع قومي واسعة، ولوحدة وطنية. فهو تبنى فكرة تقسيم البلاد واقامة دولة فلسطينية، لكنه وضع شروطا اساسية حيوية، وعلى رأسها طلب الاعتراف بحق الدولة القومية اليهودية في الوجود وبالاحتياجات الأمنية لإسرائيل.
السؤال الان هو هل سيعرف اليسار الإسرائيلي كيف يسمو ويقوم بالتعاون لبناء اجماع قومي واسع، ام اننا سننتظر ألف سنة اخرى لحصول ذلك؟
("إسرائيل اليوم" 17/6/2009)
ترجمة: عباس اسماعيل




















