المستقبل
خلال 48 ساعة اتهمت قمّة السلطة في إيران الجزء من الشعب الذي شارك في الاحتجاجات عقب اعلان فوز محمود احمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية، وضمناً الجزء الآخر الرافض للنتائج لكن الذي لم يتحرك بعد، بالعمالة للخارج. أولاً وخلال خطبة الجمعة لمرشد الجمهورية علي خامنئي والتي خصصت للاحداث التي تلت اعلان نتائج الانتخابات الرئاسية وفوز مرشح السلطة محمود احمدي نجاد بـ62.6% من اصوات المقترعين، وهي نسبة لم يكن من الممكن لأحد في ايران او خارجها ان يتقبلها بحسابات المنطق السليم. اتهم المرشد "الاستكبار العالمي"، خصوصاً بريطانيا واقل قليلاً منها الولايات المتحدة، بالوقوف خلف الاحتجاجات التي شارك فيها عدة ملايين من الايرانيين الرافضين لما يعتبرونه تزويرا لأصواتهم، مطالبين بإعادة تلك الاصوات لمرشحهم الاصلاحي مير حسين موسوي.
بعد 48 ساعة، عقد وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي مؤتمرا صحافيا في طهران، ضيق خلاله تهمة التآمر لتطاول بريطانيا خصوصا، التي، وفق الوزير الايراني، تدرب عناصر ارهابية للعمل داخل ايران، وتعمد الى ادارة تهريب المخدرات من افغانستان الى ايران لافساد الشعب الايراني.
كان ممكناً أن تفهم اتهامات خامنئي لواشنطن بالتآمر لو ان الادارة الحالية هي ادارة جورج بوش الإبن، الذي اوجد لبلاده المزيد من الاعداء، وقلّب حتى الحلفاء عليه، من خلال غزوه العراق وادارته السيئة لحربه على "الارهاب" التي جعلت، على سبيل المثال، فرنسا الحليفة التاريخية، بلدا متآمرا على المنطق "الالهي" الأميركي (كان يحلو لبوش الإبن القول انه الله يكلمه، وبالتالي هو الذي يوحي له افعاله): من ليس معنا فهو ضدنا.
لكن الادارة الحالية تختلف كليا عن السابقة، فباراك اوباما القادم بتأييد شعبي منقطع النظير والمحافظ على هذا التأييد، اعلنت ادارته مراراً انها لن تتدخل في التطورات الداخلية للدول الاخرى، ورفضت قولاً وعملاً مبدأ تغيير الانظمة من الخارج تحت لافتة "فرض الديموقراطية" على الدول التي كان منظرو ادارة بوش يصرون عليها، وقد اثبتت فشلها خلال الفترة الأولى لولاية بوش، وتخلى عنها تماما في ولايته الثانية. بل أن اوباما وكبار مسؤوليه تأنوا كثيرا وذهبوا الى حد القبول بنتائج انتخابات مشكوك فيها، قبل ان يفاجئهم الشارع الإيراني بقدرته على المواجهة والاحتجاج الصريح عبر التظاهر في الشارع، فيقترب اوباما قليلاً من تأييد التحركات تلك، عبر الدعوة الى ترك الشعب يعبر عن رأيه، من دون ان يتحدث، ولو مواربة، عن وقوف بلاده بمواجهة السلطة الحاكمة في طهران، وهذا افضل بالطبع.
أما القول بأن بريطانيا، امبراطورية الاستعمار الكبرى في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، (والتي عمدت مع حليفتها فرنسا الى تقطيع اوصال المنطقة دولا غير مترابطة، تعادي كل منها الاخرى وتحمل بداخلها كل عناصر الانفجار) مسؤولة عن احداث ايران الاخيرة، فإن في ذلك تحميل بلد لم يعد يقوى على ابقاء ايرلندا تحت عباءة المملكة، وتنخره الخلافات السياسية الداخلية، اكثر مما باستطاعته ان يتحمل. كما ان اشارة متكي الى طائرات كانت تأتي من لندن وتطير اليها وهي مملوءة عن بكرة ابيها، في محاولة لتبرير كلامه ان المخابرات البريطانية تدرب عناصر مناهضة للنظام، انما سقطة كبيرة للوزير، الذي اتهم من حيث لا يدري، الايرانيين بانهم متآمرون، او على الاقل ضعاف النفوس وبإمكان جهاز مخابرات خارجي (هنا المخابرات البريطانية) بشرائهم.
وقول متكي ان بريطانيا تهرب المخدرات الى بلاده لافساد الايرانيين، انما فيه مجافاة للتاريخ، واتهام للشعب بضعفه امام الفساد، وبالتالي انه فاسد بالفعل، بل خائن. فقد اعتبرت ايران تاريخياً وبقيت تحت نظام الولي الفقيه، منفذا لتهريب المخدرات من بلد المنشأ، اي افغانستان. علما ان من الطقوس المعروفة تاريخيا في ايران تدخين الافيون، الذي بات، مع شرب الكحول المهرب او المصنع داخليا، اكثر استهلاكا بعشرات الاضعاف تحت حكم "الثورة الاسلامية" لدرجة ان واحد من بين 6 ايرانيين مدمن على تدخين الأفيون. وهذا يجري بمعرفة، بل بتسهيل من النظام.
ان بريطانيا، وفرنسا، ومعهما الاتحاد الاوروبي ودوله، مثل الولايات المتحدة، انتظروا الى ما بعد التظاهرة المليونية في طهران اول يوم بعد اعلان "النصر الالهي" المظفر لابن النظام في طهران أحمدي نجاد، ليعلنوا دعماً اعلامياً خجولاً للمحتجين، الذين لم ينتظروا تأييداً ولا دعماً من الغرب ليتحركوا، انما نزلوا الى الشارع يصرخون: اين ذهبت اصواتنا.. واعيدوا لنا اصواتنا.
حتى بعد تلك التظاهرات التي لم تقتصر على طهران، بل امتدت الى تبريز واصفهان ومشهد وخوزستان وغيرهما من المدن الكبرى، بقي التأييد الغربي للاحتجاجات حذراً، ليتصاعد، وضمن التأييد الكلامي الذي يجب ان لا يتعداه بمطلق الأحوال، الى ان قرر الايرانيون مواصلة الاحتجاج في الشارع قبل خطبة جمعة المرشد، والاخطر قرارهم مواصلة الاحتجاج حتى بعد الخطبة، التي حسمت بفوز نجاد وخونت من لا يقبل بها، وهدد ملقيها بالثبور وعظائم الامور اذا استمر التظاهر في الشارع.
الأمر شبيه كثيرا بما حدث مطلع تسعينيات القرن الماضي في الاتحاد السوفياتي. النظام ترهل، وجاء بميخائيل غورباتشوف رئيسا، بعدما خوت خزائنه من البيروقراطيين خريجي المدرسة البريجينيفية، ليعلن ثورته السلمية على البيروقراطية تحت عنوان: البروسترويكا. تلك الثورة التي لم يرد منها سوى شق طريق جديد للنظام الذي وصل الى نهاية درب بعده الهاوية فقط. اراد ان ينحرف قليلا ليمكن نظامه من الاستمرار. اعطى قليلا من الحرية المحرمة على الأمة، تحت وطأة الاتهام الجاهز بالتآمر للغرب، الذي كان يشتبك مع السوفيات وحلفائه في اوروبا الشرقية، في ما يعرف بالحرب الباردة.
لم يعجب ذلك، او لم يفهمه، بضعة ضباط، ارادوا الانقلاب على البروسترويكا، فخرج الناس الى الشارع، وساندهم ابناؤهم من القوات المسلحة والشرطة، وانقلب الانقلاب على المنقلبين، وتلاشى الاتحاد السوفياتي، وكادت روسيا بذاتها ان تتلاشى تحت حكم بوريس يلتسين، لولا بث فيها خليفته فلاديمير بوتين روحا قومية، واستخدم بعض اساليب الماضي السوفياتي، مع المحافظة على كثير من مكتسبات ما بعد السوفياتية، خصوصا الحريات الفردية، ليعيد بعض التوازن الى عملاق الشرق الداخل في خاصرة اوروبا، روسيا الاتحادية.
خلال التحركات الشعبية في الاتحاد السوفياتي (انحصرت فعلا في روسيا وتحديدا في موسكو وانتشرت لاحقا في باقي روسيا ودول الاتحاد السوفياتي سابقا، المستقلة حاليا) لم يتصور اكثر المتفائلين ان يكون التغيير بهذه السرعة، فاجأ الأمر الجميع، الولايات المتحدة واوروبا، التي لم تستطع بعد سقوط المارد السوفياتي كبح جماح فكرها الاستعماري القديم وتكتيكات الحرب الباردة، فغزت روسيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق، اقتصاديا وثقافيا، ولم تساعد سوى في تعميم الفقر والجريمة المنظمة، فبات وجود نظام مثل الذي اسسه بوتين لاحقا، مصلحة للغرب، وقد يكون في تنحي يلتسين قطبة أميركية ـ غربية مخفية، وهنا التاريخ كفيل بكشف المستور، اذ ان الفوضى كانت لو اتسعت اكثر، اثرت على كل اوروبا، التي خاضت حربا بلقانية جديدة عقب اندثار السوفيات.
في لبنان، قبل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بلغ التوتر السياسي ذروته، وشارف الرافضون كليا او جزئيا للهيمنة السورية، على توحيد صفوفهم وكان مؤتمر البريستول خير شاهد. زاد الضغط السياسي، احتدمت المواجهة، سلمت التحذيرات والانذارات، مشافهةً من خلال الاجتماعات او الوسطاء، وعملياً من خلال محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة نهاية العام 2004. ثم حدث الزلزال الذي تردداته مستمرة الى اليوم.. اغتيل الرئيس الحريري بطريقة لم يسبق ان حدثت في تاريخ الاغتيالات السياسية: 1800 كلغ من المتفجرات ليس لاغتيال شخص فقط، انما لاغتيال وطن في شخص.
في 14 شباط (فبراير) 2005، حدث الاغتيال، وفي اليوم التالي خرج الملايين لتشييع الشهيد، جاؤوا من كل انحاء لبنان، فاجأوا المنظمين وانفسهم قبل ان يفاجئوا الادارة السورية للبنان وكل العالم بشرقه وغربه. لكن لم يصدق احد ان الامر سيتجاوز رد فعل شعبي على اغتيال زعيم بحجم الحريري.
في 8 آذار تجمع المؤيدون للوجود السوري (نحو 500 الف متظاهر) في وسط بيروت ليعلنون الشكر لسوريا على ما فعلته في لبنان، وللمقاومة.
في 14 آذار، بعد 6 أيام، اعاد المناوئون للوجود السوري، واصبحوا كلهم مناوئون كليا في تلك المرحلة، الكرة مجددا وملأوا ساحات وسط بيروت عن بكرة ابيها. مجددا فاجأوا المنظمين وانفسهم قبل الخارج، فانطلقت فكرة ثورة الارز، وسارع العالم الى دعمها، وخصوصا الولايات المتحدة ممثلة بإدارة بوش، التي لم تعط تلك الثورة شيئاً، بل سعت للأخذ منها واعتبارها نموذجا لصدق السياسية الاميركية.
استمر التصعيد ضد جماهير ثورة الارز وقادتهم، فاغتيل منهم الكثير، ووزعت المتفجرات في كل الاماكن، وهدد قادة تلك الاحزاب، واتهموا مباشرة بالعمالة لأميركا وفرنسا وبريطانيا، بل حتى لاسرائيل، لكن في كل مرة كان اللبنانيون يفاجئون الجميع بعودتهم بقوة الى الشارع.. حتى غزوة بيروت في 7 ـ 9 أيار (مايو) 2008، املاً بكسر ارادة الناس، لكن عبثاً، فتلك الارادة ظهرت اصواتاً كثيفة لمصلحة 14 اذار في 7 حزيران (يونيو) 2009، معلنة ان ارادة الشعب عندما يصر، اكبر من كل الارادات مهما كبرت.
الناتج النهائي لمعادلة الارادات في لبنان، انكفاء سوريا، وقبولها بما جرى، بل عدم تدخلها بشكل سافر في الانتخابات، بخلاف ما كان يجري دائما، بل ان تدخلها في الانتخابات الاخيرة لم يكن بمستوى تأثيرها في الحقبات التي سبقت دخولها الى لبنان، اي في عقد ستينيات القرن الماضي وحتى اندلاع الحرب الاهلية في 1975.
اقتناع العالم، ومنهم الولايات المتحدة، بأن التغيير الداخلي في الدول يأتي من تلك الدول نفسها. ففي افغانستان لم يقض على طالبان رغم مرور سبع سنوات على الغزو، رغم ان نظام طالبان كان مكروهاً من كثيرين من افراد الشعب الافغاني. في العراق، عاشت البلاد 5 سنوات عجاف سيطرت فيها "القاعدة" على جزء من البلاد والمليشيات الشيعية على جزء اخر، قبل ان يتدخل الجنرال بترايوس ليحيل معادلة التغيير الى الداخل عبر "مجالس الصحوات" التي وحدها قضت على القاعدة، كونها نابعة من صميم الطائفة السنية، ثم تصميم تجربة اخرى شيعيا، تمكنت من السيطرة على الساحة واستعادتها من جماعة "جيش المهدي".
ايران أمام مفترق طرق اليوم: اما ان تسمح بشق طريق يبعد النظام عن الهاوية، من خلال الاصلاحيين الذين هم جزء من النظام، وبالتالي بالتغيير التدريجي وغير الجذري او العنفي. او تكرار تجربة الاتحاد السوفياتي، لكن في محيط كله توترات ونزاعات عسكرية دموية وليس في محيط اوروبي نازع الى الابتعاد عن الحروب، كما في روسيا، حيث افغاستان تشتعل وكذلك باكستان، فضلا عن العراق، اضافة الى العامل الاسرائيلي المتربص، ليس بايران فحسب، بل بكل دولة من دول المنطقة من دون استثناء، الأمر الذي قد يحيل التغيير في ايران، اذا ما اصر النظام على رعونته، الى تغيير جذري في اقل تعديل يقود الى مرحلة من الفوضى قد تطول او تقصر، او تغيير دموي لن يعرف احد الى اين يمكن ان يصل في بلد مترامي الاطراف ومتعدد القوميات.




















