المستقبل
ارتبط سؤال: مَن نحن بالوجود الخاص للجماعات الإنسانية القديمة، لكنه مع الحداثة تحول إلى إشكال ذاتي، يتعلق بالوجود في الزمن، وأعيد معه ترتيب العلاقة مع العالم بوصفه موضوعاً، حيث أخذ فيه "القومي" يتوالد من رحم اغتراب الشعوب عن بعضها بعضاً، في الوقت الذي أخذت فيه الدولة تحلّ محلّ الإقليم – الوطن.
وكانت المدينة القديمة وطناً لشركاء فيه، وحلم الفلاسفة ببناء مواطنية الأصدقاء، إذ دعا أفلاطون إلى حوار حول "المأدبة" لتبادل الرأي بين متنافسين (مواطنين) أحرار، غير أن الميتافيزيقا حوّلت تقسيمات الجغرافيين إلى حدود فاصلة، وبنت عليها ثنائيات تقابلية وتراتبية: شرق/ غرب، شمال/ جنوب، وطرحت فيها هذه الأقاليم، باعتبارها متعارضة ومفترقة، فظهر الغرب فيها كياناً واحداً وموحداً، وكذلك الشرق، وأحياناً الجنوب والشمال، وأدى هذا إلى التشوش والاضطراب في المفاهيم، نتجت عنه صور نمطية عن الشعوب والثقافات، حيث نهضت تمركزيات مختلفة أفرزتها ثنائية الذات/ الآخر وتنويعاتها الداعمة لها.
إذاً، شكل البحث الميتافيزيقي المحموم عن الذات سؤال الهوية، وصاغت النزعات القومية الرؤى والتصورات، بناء على خصائص عرقية، وأثنية، ولغوية، وثقافية، وسواها. وبصعود الحداثة حدث الانزياح إلى الإيديولوجيا، إذ حملت الإيديولوجيا أوهام الميتافيزيقا، واعتنقت عقيدة القومية وعملت على تحقيقها، وفق نظريات معيارية، فصارت القومية ضرورية ونمطية، اعتنقتها مختلف دول العالم ولبّت متطلبات الإيديولوجيا الحاملة لها، ونشأت الأعلام والعواصم وفرق كرة القدم والمطابخ وسواها، وأثر ذلك على بنية الفكر القومي. وخاضت الشعوب حروباً طاحنة، أدت إلى مآسي وويلات عديدة في القرن العشرين، فاستحدثت كيانات جديدة، وأزيلت كيانات أخرى.
وصوّرت الإيديولوجيا الأمم بمثابة كيانات منفصلة عن بعضها بعضاً، وادعت أن أصول الأمم بعيدة وموغلة في التاريخ، ونظرت إليها بوصفها كيانات قديمة ومتواصلة تطورت وفق منطق الوحدة والاستمرارية. وعلى مرّ القرون، جرت عمليات التنقيب والتخليق في التراث والتقاليد والحكايات التاريخية والمرويات الشفاهية وحفريات الآثار وغيرها، بغية الكشف عن مرجع للهوية أو موحد للأمة. وجرت عملية توظيف الدين في هذا المسعى بأشكال متنوعة، وعكس ذلك بذور نشأة الأصوليات، إذ أن الرجوع إلى الماضي غدا مبرراً، طالما أن الهدف هو أن تستمد منه الدعوات القومية الشرعية والقيم المثلى والبطل الملهم، وتمّ القفز فوق الفوارق والفواصل التاريخية والجغرافية، من أجل إيجاد الصلات الواهية بين الماضي والحاضر في ارتكازية ماضوية. والتقى ذلك مع وجهة نظر الميتافيزيقا الباحثة عن الأصل الأول والنسخة الأولى، حيث اعتبر الفرد مجرد نسخة مطابقة لأصل سابق له.
منطق المطابقة هذا تماشى مع الفكر الإيديولوجي القومي ومسبقاته وأوهامه، لأن هذا الفكر لا يقرّ إلا بمنطقه الواحدي وتخييله الذي يصور الآخر وفق صورة نمطية رغبوية استيهامية، تحاول استبعاد الآخر، أو الدخول في مواجهة ضده، بدلاً من فهمه والتفاعل معه. ونجد هذا المنطق في فكر مختلف النزعات القومية: الألمانية والفرنسية والعربية والفارسية والتركية وغيرها، ويكشف، مثل كل فكر واحدي، عن غياب المسعى الديموقراطي والتعددي.
وجرت توظيفات سياسية وأداتية للتراث وللغة وللدين وللعرق وللتاريخ، حتى غدا سؤال "من نحن" سؤال هوية أزلية واحدة للجماعة – الأمة. وبالرغم من أن الهوية تتغير باستمرار بتغير الجماعات الإنسانية وشروطها التاريخية والجغرافية والاقتصادية والاجتماعية، وواقع الحال يشهد على تنوع واختلاف الهوية داخل مختلف تشكيلات الجماعات، بل وزوالها في بعض المواقع وتخليقها في مواقع أخرى، إلا أن النزعة القومية تصورها هوية ثابتة لأمة واحدة موحدة، مازجة "القومي" مع "القطري"، إضافة إلى الازدواجيات القومية واختلاط مفهوم الدولة بالقومية كما في حالات عديدة مثل روسيا وإنكلترا وتركيا وإيران والبلدان العربية وغيرها.
ومع تسارع المتغيرات العالمية حدث تحول في مختلف ميادين العلوم والتكنولوجيا والأفكار والثقافات والرموز، وتعالت الدعوات والنزعات القومية، التي بات يُعبر عنها بأشكال سياسية وفكرية وبنيوية مختلفة، وتثير العمليات العالمية الجارية على الصعيد الثقافي حفيظة المدافعين عن الهوية الثقافية وحماتها، فيما نشهد من جهة الاقتصاد والتنمية تخلي بعض الدول والحركات القومية عن مفهوم السيادة القومية، حيث أن أغلب دول العالم تحولت بدرجات متفاوتة إلى نظام اقتصاد السوق محاولة الاندماج بالسوق العالمية، وذلك من أجل احتلال موقع أفضل في نظام الاقتصاد العالمي.
من هنا تبرز الحاجة إلى تعامل الفكر القومي العربي بروح جديدة، تتماشى مع ما أفرزه العصر من متغيرات ومستجدات، كي يكون سؤال "من نحن" سؤال وجود فاعلاً في الزمان الحاضر، كي نشارك في العصر بإيجابية، أي أن نكون داخل الزمان وليس خارجه.




















