المستقبل –
من كان يصدق أن النظام البولشفي سوف يسقط ويتفكك الاتحاد السوفياتي بالشكل الذي رأيناه، ومن كان يصدق أننا سوف نعيش ونرى انهيار جدار برلين وهو الجدار الذي أحدث هذا الشرخ في ألمانيا، وعلى مدى عقود. وأبعد من هذا وذاك كم كنا نستهجن عند قراءتنا للتاريخ الفرنسي، ولحقبة الثورة الفرنسية على وجه الخصوص، قطع رأس أب الثورة الفرنسية ماكسيميليان روبسبيار وبموجب حكم صادر عن الثورويين بالذات، والذين رافقوا ودعموا القائد الثوروي روبسبيار في بداية مسيرته ضد النظام الملكي القائم، وذلك بسبب تحوله إلى ديكتاتور سعى بعد وصوله إلى السلطة إلى الانحراف والانجرار وراء مغريات وغريزة الاستئثار بالصلاحيات التي منحته إياها الثورة.
ويمكننا أن نذهب بعيداً في سرد ما جاء في التاريخين القديم والحديث بشأن الثورات الشعبية، ولكن تبقى الثوابت واحدة وذاتها وهي أن الثورة أياً كان منشأها، عندما تفقد عناصر ومقومات تواصلها مع شعبها لا بد لها وأن تنهار على رؤوس أبنائها أولاً، أي على رؤوس الطبقات والشرائح الشعبية التي أوصلتها، قبل أن تطال الفئات الأخرى من الشعب ولا سيما الفئات المخملية منه. فالثورة التي تريد الاستئثار بالسلطة والتي تسعى للبقاء والاستمرار، لا بد لها من أن تعمل أولاً على مراعاة الفئات النافذة من المجتمع، على حساب الفئات الأخرى الأقل يسراً وسلطة. فالقمع تبدأ سلطة الثورة بممارسته على هذه الشرائح بالذات لإسكاتها، لأنها الأضعف والأسهل تدجيناً. تستهلك في بداية الأمر وسائل الكلام المنمق والشعارات العاطفية والغرائزية ومنها أيضاً القومية، وغالباً ما تنجح، ولكن يبقى نجاحها مرحلياً حتى ولو امتد على فترة طويلة من الزمن. وفي فترات التأزم الأصعب تلجأ إلى التخويف من عواقب الانسياق والانجرار خلف التيارات الاحتجاجية أياً كان شكلها أو أهدافها. وأن تكون هذه الاحتجاجات مصدرها معاناة معيشية أم أزمات سياسية لا فرق، المطلوب من هذه الشرائح الشعبية والتي تسمى شرائح الثورة، السكوت والانكفاء، المهم التعتيم وكم الأفواه حفاظاً على سلامة الثورة ودرءاً لها من الوقوع والانحلال.
وخلال فترات التأزم هذه تصبح كل الوعود بالإصلاح والتغيير واردة من قبل سلطة الثورة. ولكن أي تغيير وأي إصلاح ممكن في ظل الأنظمة الشمولية، خصوصاً إذا كانت أيضاً ثيوقراطية، وهي ميزة تعطيها الزائد من عناصر القوة، والمتأتية من التحليل الإلهي لكل تصرفاتها القمعية. فلا تغيير أو إصلاح هو ممكن على يد أي طبقة متواجدة في السلطة، وممسكة بمقاليد الحكم أو حتى على يد الفئات المعارضة لها، ولكن ضمن اللعبة القائمة، أي لعبة تقاسم الصلاحيات. وكل الإصلاحات البنيوية في المجتمع إنما تكون على يد المجتمع المدني، ولها اتجاه واحد وهو من الدوائر الواسعة أو الأوسع باتجاه الدوائر العليا أو الأضيق، ومن المستحيل تصور الاتجاه المعاكس.
الإصلاح ضمن السلطة وحتى ولو كانت سلطة القائمة تسمي نفسها ثورية عملية مستحيلة، ولا يمكن إحداث ما يسمى بالثورة المضادة على يد المعارضة أياً كان شكلها، لأن المعارضة عادة ما تواكب تشكيل السلطة القائمة وغالباً ما تكون من العجينة والطينة ذاتها. ناهيك عن كون الشهوة في الحكم والرغبة في الاستمرار والاستئثار بالسلطة، تحتم استبعاد التغيير الفعلي والذي من المفترض أن يحصل بالوسائل الديموقراطية السليمة البعيدة عن الغش والتزوير. وهنا الشروط الديموقراطية في تداول السلطة تكون نابعة من ضرورة مواكبة العصر ومن ضرورات التكييف مع الأجيال الجديدة ومن ضرورة ايجاد على رأس السلطة أشخاصاً يواكبون عصرهم، وبإمكانهم تفهم الأجيال الجديدة وتطلعاتها ومطالبها وميولها وأهدافها في الحياة.
من هنا يمكن القول إنه بالنسبة لما هو حاصل في إيران كان من المتوقع أن يحدث الذي يحدث اليوم تماشياً مع سير التاريخ وسير تطور الحياة وبشكل عام. وقد تكون مجريات الأمور اليوم بوادر لثورة جديدة. وفي وقت شكل مير حسين موسوى أو سقوطه الظاهر في الانتخابات الصاعق الذي دفع بالاحتقان الموجود أصلاً إلى الانفجار، لا يمكن تصور المرحلة المقبلة والأمن مستتب فيها بمجرد عودة المرشد الأعلى عن مواقفه بالتمسك بالرئيس المنتخب، أو بقيام سلطة جديدة تكون على شاكلة قيادة جماعية مشكلة من مرجعيات روحية "عتيقة" لا تمثل تطلعات الشباب الذين يشكلون الغالبية من الشعب الإيراني (70%). كما أنه من المتوقع أن تكون المعالجات المرحلية مجرد مرحلية كونها لن تصل إلى لب المشكلة ولا تعالج أصل الداء والذي ليس طبعاً وجود أو عدم وجود المرشد الأعلى خامنئي على رأس السلطة. وإن أخذت الحركات الاحتجاجية شعار "سقوط الدكتاتور" كما يرد ويسمع في الليالي ومن على سطوح الأبنية، تظل فكرة "الدكتاتور" مبهمة حتى الساعة وغير واضحة المعالم وغير معبر عنها بشكل واضح وصريح. وقد يظهر جلياً ربما في الأيام أو الشهور المقبلة عن أي ديكتاتور يتكلم الشعب. وقد لا يكون رفض "الديكتاتور" بعيداً عن فكرة رفض نظام ولاية الفقيه برمته.




















