ما يجري في موريتانيا من حراك سياسي مسؤول يستحق وقفة تأمل من قبل جميع الأطراف العربية، في المشرق قبل المغرب على حد سواء. فقد اثبتت النخبة السياسية الموريتانية بمختلف ألوانها ومعتقداتها مرونة حضارية في حواراتها فيما بينها للخروج من الأزمة الراهنة، وجاء الاتفاق الأخير بتشكيل حكومة انتقالية ينضوي المجلس العسكري في اطارها، واستقالة الرئيس السابق المنتخب طوعياً مثالاً على ما نقول.
الموريتانيون احتكموا إلى العقل والحكمة، كمقدمة للاحتكام إلى صناديق الاقتراع في انتخابات ستجري في غضون ثلاثة اسابيع، أي يوم 18 تموز / يوليو المقبل، حيث سيقرر الشعب الموريتاني اختيار من يعتقد انه يصلح للحكم، ويستطيع أن يخدم المصلحة العامة.
المجلس العسكري الحاكم بقيادة الجنرال ولد عبد العزيز تنازل عن الحكم، وقبل بصيغة التسوية المطروحة، وألغى خططه السابقة باجراء انتخابات عامة، وقد يكون هذا التنازل ناجماً عن ضغوط اقليمية او دولية، علاوة على الضغوط الداخلية، ولكن قد يكون السبب الأهم هو الطبيعة الموريتانية المرنة والمسؤولة، فقد فاجأنا المسؤولون الموريتانيون اكثر من مرة بالانحياز إلى العقل، ومصلحة البلاد العليا، والتنازل عن السلطة، والاحتكام إلى الخيار الشعبي الديمقراطي.
ويسجل ايضاً للرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله تحليه بأعلى درجات المسؤولية في المقابل، وتقديمه استقالة طوعية، من اجل وضع حد لحالة الاحتقان والتأزم السائدة في البلاد، وانجاح اتفاق التسوية الذي انجزه الوسطاء برعاية سنغالية.
هذه الروحية المرنة والمتسامحة هي التي تحتاجها دول ونخب عربية لاخراج الأنظمة السياسية من حال التكلس التي تعيشها حالياً، بسبب اغتصاب مجموعات محدودة للسلطة، والتمترس فيها لعقود عديدة، واستخدام كل أدوات القمع لاسكات المعارضين المطالبين بالديمقراطية.
فبينما يتحاور الموريتانيون عبر المسيرات السلمية، وصفحات الصحف، والمنابر الاعلامية المرئية والمسموعة، بعيداً عن كل أنواع العنف والمواجهات، نرى انظمة عربية، تتحاور مع معارضيها بالرصاص، والكلاب البوليسية، وزوار الفجر.
يستحق الرئيس السنغالي عبد الله واد الذي رعى هذه المصالحة، وقاد المفاوضات بحنكة تحسب له حتى أوصلها إلى النتيجة المشرفة التي نراها حالياً، يستحق كل التقدير والاحترام، فقد نجح في ما فشل فيه الكثيرون خاصة الوسطاء العرب، بسبب صبره وتحمله ونواياه الطيبة تجاه جيرانه في الشمال.
موريتانيا خرجت من أزمة سياسية خانقة، وبدأت مرحلة انتقالية تتزاوج فيها السلطة والمعارضة، في حكومة انتقالية يقتصر دورها على اجراء الانتخابات وضمان نزاهتها، وهذا في حد ذاته انجاز حضاري كبير.
مهمة الحكومة الانتقالية ليست سهلة، خاصة الشق المتعلق منها بالاعداد لهذه الانتخابات في غضون ثلاثة اسابيع، وهو تحد كبير لها لما تتطلبه هذه المهمة من اعداد صناديق الاقتراع واللجان المختصة، وتحضير القوائم واستضافة مراقبين دوليين، ولكننا على ثقة انها ستواجه هذا التحدي بسبب قدسية المهمة المناطة بها، والثقة الشعبية الكبيرة فيها.



















