خطى العراق أمس خطوة كبرى على طريق إعادة تأكيد سيادته حين سلمت القوات القتالية الأميركية المسؤولية الأمنية في مناطق الحضر الى قوات الشرطة والجيش العراقي الذين لم يتم اختبار قدراتهم بدرجة كافية. ولكن هل إن إنهاء جانب من جوانب استراتيجية "زيادة القوات" الأميركية في العراق.. وهو نشر القوات الأميركية في معاقل المتشددين، الذي ساهم في تراجع نشاط "القاعدة" ومقاتلين آخرين.. سيؤدي الى انهيار أمني؟ هل سيتصاعد العنف؟.
يقول المسؤولون الأميركيون والعراقيون على السواء إنه من المرجح أن يزيد المسلحون من هجماتهم عقب انسحاب القوات القتالية الأميركية من المدن العراقية. وقد تسعى بعض الجماعات المتشددة الى إعطاء الانطباع بأن الفضل يعود لها في طرد قوات الاحتلال.
ولا تعطي تلك الجماعات أي اعتبار لحقيقة أن الانسحاب الجزئي يأتي بموجب اتفاق أمني أبرم العام الماضي بين الولايات المتحدة والعراق.
وقد يعتقد بعض المتمردين أيضاً أن العراق وسكانه سيصبحون أكثر هشاشة فور انسحاب القوات الأميركية الى قواعدها وأن أمامهم فرصة أفضل لإشعال العنف الطائفي على نطاق واسع من خلال القيام بتفجيرات ضخمة. لكن على الرغم من ذلك، هناك بعض المؤشرات بأن المقاتلين والجماعات المتشددة فقدوا القدرة على الاحتفاظ بالزخم.
وعلى الرغم من أن الشهر المنصرم شهد تفجيرين من أسوأ التفجيرات وأكثرها دموية خلال ما يزيد على عام إلا أن العدد الاجمالي للهجمات تراجع، كما تمر أسابيع هادئة نسبياً بعد وقوع هجمات كبرى.
ما هي المخاطر السياسية؟ إذا فشلت قوات الأمن العراقية في حماية الشعب العراقي من الهجمات المتصاعدة، فمن المحتمل أن يتضرر رئيس وزراء العراق نوري المالكي من ذلك سياسياً، وهو يعلق آماله على فترة رئاسة أخرى للحكومة بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة التي ستجري في كانون الثاني (يناير) المقبل استناداً الى قدرته على نسب الفضل لنفسه في تراجع العنف بدرجة كبيرة طوال 18 شهراً مضت. ووصف المالكي انسحاب القوات القتالية الأميركية أمس بأنه "نصر"، وقارن بينه وبين الانتفاضات التي قامت بها العشائر العراقية ضد الامبراطورية البريطانية السابقة عام 1920.
وأعلن المالكي 30 حزيران (يونيو) عطلة رسمية بمناسبة "يوم السيادة الوطنية". ويرى محللون أنه وضع نفسه في مأزق بتمجيد هذه المناسبة لأنه في حال تصاعد العنف واضطراره الى طلب العون من الجيش الأميركي فسيضره ذلك سياسياً. كما أن موقف المالكي قد يؤثر على سلوك القادة الميدانيين على الأرض، وقد يكرهون طلب مساعدة القوات الأميركية أو توفير غطاء جوي مهما كان الأمر يتطلب ذلك خشية أن يعاقبهم رؤساؤهم ويتهمونهم بالضعف.
هل باستطاعة قوات الأمن العراقية حماية الشعب؟.
تطلب الأمر إعادة بناء الجيش العراقي والشرطة الوطنية من الصفر بعدما حل المسؤولون الأميركيون الذين أداروا العراق جهاز أمن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بعد الغزو الأميركي عام 2003. وخلفت هذه الخطوة آلاف المقاتلين بلا عمل وأغضبتهم ودفعت كثيرين الى الانضمام الى صفوف المسلحين.
ومنذ ذلك الحين، أنفق الجيش الأميركي والحكومة العراقية مليارات الدولارات على إعادة بناء وتدريب وتسليح قوة أمنية عراقية قوامها 600 ألف فرد. ويبدو الجنود العراقيون الآن عند نقاط التفتيش صورة شبيهة بالأميركيين الذين دربوهم. ويقول قادة أميركيون إن الشرطة تحتاج الى مزيد من العمل لكنها تحسنت كثيراً عن عامين مضيا.
هل سيرضخ أفراد القوات العراقية نظراً لهشاشتهم أمام تهديد أسرهم أو أمام الرشوة؟.
فالفساد تفشى في العراق البلد المنتج للنفط، وأدى ذلك الى شكوك كثيرة بين عامة الناس في نزاهة قوات الأمن المحلية.
وكان العراق دولة بوليسية قوية تحت حكم صدام. وكانت السلطات تتعامل بقسوة مع الجريمة والعنف باستثناء ما ترتكبه الدولة نفسها.
هل ستنقلب الحكومة على السنة والأكراد؟
يخشى السنة الذين هيمنوا يوماً على العراق وأيضاً الأقلية الكردية في الشمال من أن انسحاب القوات الأميركية سيتركهم عرضة لغضب الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة في بغداد.
واعتقلت حكومة المالكي بالفعل عدداً من زعماء مجالس "الصحوة" التي دعمتها الولايات المتحدة في مهام الحراسة التي كانت تقوم بها في الأحياء، والذين حاربوا في وقت ما في صفوف "القاعدة".
ولا يثق حراس مجالس "الصحوة" وجماعات سنية أخرى بالمالكي. ويعتقدون أنه لن يعطي جزءاً من السلطة الى السنة.
أما الأكراد الذين يعيشون في منطقة تتمتع بما يشبه الحكم الذاتي، فهم في خلاف مع بغداد حول النفط والأراضي ويخشون أن تقيد حكومة المالكي الاستقلال الذي تمتعوا به تحت الحماية الغربية منذ حرب الخليج الأولى عام 1991.
وفور انسحاب القوات الأميركية ستزداد مخاطر حدوث مواجهة بين مقاتلي "البشمركة" الأكراد والجيش العراقي، كما أن رفض السنة لاستبعادهم سياسياً أو شعورهم بالاضطهاد قد يذكي من جديد حركة التمرد.
(رويترز)




















