في لبنان كما في البلقان لا تزال في النفوس غصة من الحروب نتيجة للمفقودين الذين لا تزال ذكراهم وأشباحهم تنغص حياة آلاف الاسر. صحيح ان عدد القتلى يفوق بأضعاف كثيرة عدد المفقودين الا ان الفرق كبير بين الحالتين. فأسر القتلى قد امتصت الصدمة الاولى مع خبر قتل ذويهم وأصبحت زيارة قبورهم في المناسبات المختلفة فرصة للتنفيس عما في أنفسهم. أما في حالة المفقودين فلا تزال صور هؤلاء معلقة في البيوت وفي الشوارع ، ولا تزال النفوس قلقة بين اليأس من وجودهم على قيد الحياة والأمل في عودتهم في يوم ما.
ومن آخر الحروب تمر لدينا الآن الذكرى العاشرة لنهاية الحرب في كوسوفا وانسحاب القوات الصربية. صحيح ان الدمار كان كبيرا في كوسوفا (نتيجة لتعسف القوات الصربية) وفي صربيا ( نتيجة للقصف الاطلسي) الا أن كل هذا تم تعويضه بسرعة في السنوات السابقة، ولكن الجرح النازف في النفوس لدى الطرفين لا يزال موضوع المفقودين هنا وهناك.
وقد أصدرت "منظمة العفو الدولية" بهذه المناسبة تقريرا ينتقد الحكومتين الصربية والكوسوفية على تقصيرهم الواضح في هذ المجال خلال السنوات العشر الماضية. ويلفت عنوان التقرير "دفن الماضي: عدم معاقبة المختطفين في كوسوفا" الى نوع من التعتيم المشترك على مصير المختطفين في الجانبين، وكان هناك نوع من "الاتفاق" على "دفن الماضي" بالمفهوم السلبي وليس بالمفهوم الايجابي. فلدفن الماضي بالمفهوم الايجابي لا بد من كشف مصير المخطوفين ومعاقبة المسؤولين وفتح صفحة جديدة بين الشعبين وبين البلدين. أما المقصود هنا فهو المعنى السلبي الذي يقصد به التعتيم على ما حدث، وبالتحديد عن المسؤولين عن ما حدث من اختطاف وتعذيب وقتل.
ويشير التقرير هنا الى تقصير المجتمع المدني أيضا وليس الجهات الحكومية فقط. ولكن هذا "التقصير" ناشئ عن الخوف من الادلاء بشهادات او روايات لشهود عيان عما حدث لان بعض الجهات النافدة قد تنتقم من هؤلاء. ويستشهد التقرير هنا بما حدث للمئات من الكوسوفيين الذين ساقتهم القوات الصربية في أيار 1999 الى معمل الألمنيوم في ماتشاتيتا بشرق صربيا، حيث ألقت بهم في الفرن الكبير لصهر الالمنيوم. فقد أثيرت هذه المسألة في صربيا قبل سنوات من قبل المجمتع المدني، ولكن التهديدات التي تعرض لها الشهود المحتملون أدى الى اقفال التحقيق في هذه القضية.
تقرير "منظمة العفو الدولية" ،الذي يعتمد على أقرب الحقائق وينتقد الطرفين معا، يقدم الصورة التالية: مع انسحاب القوات الصربية من كوسوفا في حزيران 1999 كان هناك حوالي 3000 قتيل ألباني على يد القوات الصربية، بعضهم دفن في مقابر جماعية في صربيا، ولكن معظم هؤلاء وجدوا وأعيدوا ودفنوا في مسقط رأسهم حسب الأصول خلال السنوات اللاحقة.
ولكن الى جانب هؤلاء لا يزال لدينا 1907 من المفقودين لدى الطرفين. ومن هؤلاء لدينا حوالي 1100 من الألبان و حوالي 800 من الصرب والغجر والأقليات الاخرى في كوسوفا. وفي هذا السياق هناك اتهامات لـ "جيش تحرير كوسوفا" بأنه اعتقل عشرات الصرب والغجر في كوسوفا بعد انسحاب القوات الصربية من كوسوفا باعتبارهم مسؤولين او مشاركين في القظائع التي حدت للالبان على يد القوات الصربية, وهم لا يزالون في عداد المفقودين.
تقرير "منظمة العفو الدولية" ينتهي الى مناشدة الحكومتين الصربية والكوسوفية الى التعاون بهذه المناسبة (مرور عشر سنوات على نهاية الحرب) لوضع حد لهذا الملف المؤلم الذي لا يزال يؤرق آلاف الأسر هنا وهناك. ولكن هذه المناشدة رمزية لأن الأمل في تحريك المشاعر والضغط للكشف عن المسؤولين ومعاقبتهم ينعقد على المجتمع المدني هنا وهناك، وهو عندما يتحرك يدلل على تحرره من الخوف وعلى وعيه بقدرته على احداث اختراق في هذا المجال.
"المستقبل"




















