ذكر لي أحد معاوني السيد علي أكبر هاشمي رفسنجاني في الماضي غير البعيد احتمال إنشاء مجلس قيادي يحل محل المرشد الإيراني في حال رحيل آية الله علي خامنئي. كانت المسألة بحثاً موضوعياً في الظاهر بسبب الشائعات، خاصة في الولايات المتحدة، حول صحة آية الله خامنئي. و كان الخامنئي حلّ عام 1989 محلّ المرشد المعين آية الله منتظري الذي كان على خلاف مع آية الله الخميني.
قد يتطلب إنشاء مجلس قيادي تعديلاً في الدستور الإيراني باعتبار أن إمكانية قيام مثل هذا المجلس قد ألغيت بموجب تعديل حاصل سنة 1988. المسألة اليوم ملحّة وإن كانت مجرد تكهن أورده آنذاك مساعد رفسنجاني.
تحتم الإنقسامات الحالية ضمن الطبقة السياسية في إيران التركيز على دور آية الله خامنئي كقائد، كما على دور رفسنجاني على رأس مجلس الخبراء (مجلس خبرگان)، الجهاز الذي يختار القائد والذي له سلطة تنحيته.
هنالك خلافات بين آية الله خامنئي ورفسنجاني أقلّه منذ قيام الجمهورية الإسلامية سنة 1979، وهذا من طبيعة السياسة. ولكن هذه الخلافات تفاقمت منذ انتخابات 2005 الرئاسية حين جعل محمود أحمدي نجاد محور حملته الانتخابية مهاجمة رفسنجاني.
بدأ ذلك قبل فترة طويلة غلبة أحمدي نجاد على رفسنجاني بأكثر من سبعة ملايين صوتاً. وقد أخبرني لاحقاً أحد المحافظين المرموقين أنه قبل افتتاح الترشيحات، استدعي أحمدي نجاد من قبل علي أكبر ناطق نوري، ألمع القياديين الأصوليين، وطلب منه أن ينسحب لمصلحة زملاء أوفر حظاً منه، فكان جواب ابن الأسرة المتواضعة أنه سوف يفوز من خلال مهاجمة رفسنجاني.
التزم أحمدي نجاد بكلمته، متوسلاً رصيده الشخصي من التقوى وبساطة العيش، ومستفيداً من عدم شعبية رفسنجاني، الذي ينظر اليه معظم الإيرانيين – عن صواب أو عن خطأ – على أنه استغلّ منصبه لكي يثري هو وعائلته.
رغم هزيمته في العام 2005، لم يتقاعد رفسنجاني وازدادت ثروته اطراداً، إذ في اليوم التالي لخسارته في الانتخابات شوهد عند الساعة السابعة صباحاً في مكتبه في مجمع تشخيص مصلحة النظام ، وهو جهاز دستوري مهم يعلو مجلس الأمناء وما يزال يرأسه.
وسرعان ما أصبح دوره محورياً في تنظيم المعارضة ضد أحمدي نجاد، سيما وأن الرئيس أقال أعضاء "مافيا النفط"، وفي معظم الأحيان كان ذلك موجهاً ضد أشخاص متحالفين مع رفسنجاني.
وبحلول تشرين الثاني 2005، أي بعد ثلاثة أشهر فقط على تولي أحمدي نجاد السلطة، اغتنم رفسنجاني مناسبة إلقاء خطبة الجمعة أمام المصلّين في طهران لمنع الرئيس عن الإضرار "بالوحدة الوطنية". وقد حدث ذلك بعد يومين من دفاع آية الله خامنئي عن حكومة أحمدي نجاد ودعوته الى منحها المزيد من الوقت.
"إن مجتمعنا بات منقسماً الى معسكرين، وبعضهم يتصرف بعدائية"، هذا ما قاله رفسنجاني منتقداً "محاولة راهنة لإقالة أشخاص قيّمين وإداريين فعّالين وعزلهم"، ومهاجماً الرئيس "لتصوراته الغامضة" في إعلانه الحرب على الفساد.
وما لبث أن انضم رفسنجاني الى محمد خاتمي، الرئيس الإصلاحي السابق، كما الى مهدي كروبي رئيس مجلس الشورى سابقاً، لتنسيق "تحالف المعنيين" ضد أحمدي نجاد.
وبالفعل تحالفت هذه المجموعة لمواجهة السياسات الخارجية التي يعلنها أحمدي نجاد، والتي استشعروا فيها خطراً يتهدد مكانة إيران، وتحسساً منهم بالضرر الذي ستلحقه بالاقتصاد سياسة ضخ الأموال التي ينتهجها الرئيس.
نادراً ما تتحرك السياسة الإيرانية باتجاهات واضحة. خلال ولاية أحمدي نجاد الأولى كانت هنالك إشارات الى أن آية الله خامنئي يرغب في تقييد دوره وفي تطويع حماسته، وهذا يتوافق مع منحى مرشد الجمهورية في العمل على إيجاد التوازن بين مختلف فئات الطبقة السياسية.
خلال السباق الانتخابي لمجلس الخبراء في كانون الأول 2006، شجع آية الله خامنئي رفسنجاني على خوض غمار هذا الاستحقاق، ويرجح أن يكون سبب ذلك رغبته في أن يكبح آية الله محمد تقي مصباح يزدي، رجل الدين المحافظ الذي له تأثير كبير على أحمدي نجاد.
فاز رفسنجاني بسهولة وحلّ أولاً في قسم طهران من انتخابات المجلس، وحين توفي رئيس المجلس آية الله علي مشكيني خلفه رفسنجاني. وكان ذلك تطوراً بالغ الدلالة ، خاصة وأن رفسنجاني هزم آية الله أحمد جنتي بغالبية 41 صوتاً مقابل 34، وجنتي يرأس مجلس الأمناء (مجلس نگهبان) ، وهذا المجلس هو رقيب دستوري واسع الصلاحيات.
منذ ذلك الحين، وخاصة خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة وما تلاها من نتائج، تعمّقت الانقسامات ضمن الطبقة السياسية، سيّما مع وضوح مساندة آية الله خامنئي لأحمدي نجاد.
قبل أيام قليلة من التصويت، أعلن رفسنجاني أن صمت آية الله خامنئي عن "أكاذيب" أحمدي نجاد يهدد بحصول اضطرابات في المجتمع. وبالفعل أضعف آية الله خامنئي مفهوم المرشد كحكم حيادي حين أفتى أن الانتخابات كانت نزيهة قبل أن ينظر فيها مجلس الأمناء وحين أعرب علناً عن تفضيله أحمدي نجاد ، ما أثار انتقاد المعارضة لمرشد الجمهورية على وجه غير مسبوق.
منذ اعلان نتائج الانتخابات لازم رفسنجاني بشكل رئيسي مدينة قم، وهي مركز مؤسسات البلاد الدينية، رغم أن بعض أفراد عائلته شاركوا وأوقفوا لفترة وجيزة.
والسبب في وجوده في قم قد يكون في السلطات الممنوحة لمجلس الخبراء، حتى ولو كان هذا الجهاز يلتئم عادة مرة أو مرتين في السنة. و يضم المجلس 86 عضواً – جميعهم من رجال الدين المنتخبين لولاية مدتها ثماني سنوات – تقع على عاتقه مسؤولية اختيار مرشد جديد للجمهورية وفق ما تنص عليه المادة 109 من الدستور الإيراني.
كما أعطي المجلس سلطة تنحية المرشد (المادة 111) إذا ما قضي بأنه فقد، أو تبين أنه لم يكن حائزاً على الشروط اللازمة المحددة في المادتين 5 و109، وهي تشمل على «العلم … والعدالة والتقوى … وسلامة الرؤية السياسية والاجتماعية، والتدبير، والشجاعة، والكفاءة الإدارية والمؤهلات الملائمة للقيادة».
هذه هي المعايير التي جعلت آية الله الخميني يعطي أرجحية لآية الله خامنئي بالقيادة على سواه من رجال الدين الذين لهم صفات دينية اكثر ميزة منه. غير أن مفهوماً مطاطاً كمثل «المؤهلات الملائمة للقيادة» قد يؤدي وظيفة معاكسة لا تخدم آية الله خامنئي.
ومن الحجج في السلوك الانتخابي التي ساقها رفسنجاني وسواه من الوجوه الإصلاحية مثل المرشح الرئاسي مير حسين موسوي، يظهر جلياً المرتكز الدستوري المحتمل الذي قد يبنى عليه الطعن بآية الله خامنئي أمام مجلس الخبراء. وقد يكون مثل هذا الاتجاه خطوة نوعية يقدم عليها رجال الدين الذين يؤلفون مجلس الخبراء.
( كان رئيس مراسلي فايننشال تايمز في إيران 2003 – 2007.)
"النهار"




















