كما في كل العصور, وكما ينقش التاريخ في الواحه المتواترة, ينحسر الطغيان أو ينعدم في ذاكرة الحياة المتوارثة عبر الأجيال, وتبقى إلى الأبد صور أولئك الأحرار الذين يأبون إلا التشبث بالمبدأ والحقيقة في وجه الطغاة المستبدين الذين تبتلعهم مزابل التاريخ.
وأخيراً فك قيد تلك الكلمة الساحرة والمرعبة والتي كان يصدح بها مناضلنا ميشيل, الساحرة بالنسبة لعشاق الحرية والمقدسّين للإنسان ووجوده في كل مكان والمرعبة لكل من ينحاز إلى موقف المصادر والقاتل لهذه الكلمة التي يعرف أنها ستكون في يوم قادم أحد الحراب التي ستدمي مرما له الطاغوتي.
عاد ميشيل طائراً ليعيد في ذاكرتنا الأحلام التي غدت ترفرف في مخيلاتنا جميعاً نحن عشاق الحرية …. وذلك بُعيد خطاب القسم المشهور للحاكم السوري حين ُصُنع ربيع دمشق بمبادرة ميشيل ورفاقه فتحرك السكون الضارب في أعماق إنساننا السوري في جميع أركان بلدنا الحبيب وتفتحت الأذهان وتحرك الوجدان, بعد طول أرق ووجع… فكانت المنتديات المتعددة والمساهمات التظاهرية والاعتصامية وأوجد ما اعتبر بذوراً لحركات مجتمع مدني حديث وغدا المشهد البشري كأنما المجتمع يستفيق من طول سبات, وبتنا نسمع ونرى ذلك في دمشق وفي حلب وفي حمص واللاذقية وفي الجزيرة أيضاً, وكأنما الحياة الحقيقية الغائبة قد عادت إلى تلك المساحات الطاهرة من أرض الوطن ورأينا كذلك حركات بشرية مدّجنة تسري في أوصال أصحابها حيوية وحركة مختلفة كما بتنا نسمع أحاديث متداولة بين الناس تنطبع بصور ومعاني غير تلك الصور والمعاني المكرورة والمتبدلة… وتنفس الكثير الصعداء متأملاً, وكأن حال الجميع يقول آه… يا زمن الخمسينات… حيث الحرية والديمقراطية والتعددية ولو إنها كانت في بدايتها….
عودة ميشيل إلينا طائراً يغرد من جديد أنشودة الحرية والديمقراطية إنما هي عودة مليئة بإيحاءات عديدة… تجذَر فينا جميعاً ما آمنا به من محددات أساسية لإنعتاق هذا الوطن من أسر كل المعوقات والمُلْجمات, فالحرية والديمقراطية كانتا عنوان التغيير الأول لدى الشيوعيين السوريين عندما أدركوا منذ السبعينات أن هذين المفهومين هما المفتاح الذي لابد من التقاطه للعبور إلى سبل التطوير والتغيير والنهوض… وكان هذا الخيار بالنسبة لهم بمثابة تهمة فكيلت لهم نعوتاً مختلفة اشتقت من المعجم الماركسي السوفيتي المعروف آنذاك كالتحريف والبرجزة واللبرلة والتآمر.
إلا أن الحياة سرعان ما أثبتت صحة هذا الخيار فدكت أركان الدولة السوفيتية الأولى من أجل الديمقراطية والحرية….
ومن ثم انتشر هذان المفهومان في مختلف أصقاع الأرض, وأخذت الشعوب تنعم بما حرمت منه على مدى عقود عديدة.. وبدت سمة العصر البديل للاشتراكية هي سمة الديمقراطية والحرية.
وعشنا سنوات نحلم أن يتحقق ذلك في وطننا كما هو الحال لدى الأوطان الأخرى إلا أننا مُنينا بخيبة أمل كبرى… فكان لابد من المحاولة.. ولابد من الإصرار ولابد من المجازفة ولذلك كان طائرنا العائد أحد النسور الذين دفعوا ضريبة هذا الصمود وهذه المحاولة لتحقيق الحلم.
عودة ميشيل إلينا وكانه يغني فينا روح عشق الحرية والإنعتاق قائلاً: هاقد وضعنا اللبنة الأولى…. في مدماك هذا الحلم.. نعم إن اعتقال ميشيل ورفاقه كان بمثابة اللبنة الأولى…. وكما هي سورية دائماً لم تبخل ولن تبخل فاللبنة التالية قد وضعت والضريبة التالية قد دفعت وها هم رفاق ميشيل في إعلان دمشق يحيونه من داخل قضبان سجن الجلاد…. متحدين كل وسائل القهر والتنكيل…. وكأن لسان حال الجميع يتطلع إلى اللبنة التالية…. نعم لابد من لبنة تالية وتالية أخرى وأخرى …. فالحلم الكبير يستحق هذا العطاء… ويستحق هذه التضحية… واللبنات يجب أن تترسخ والمدماك لابد أن يقوم …. لابد أن يقوم ….
في الجهة الأخرى قد تكون عودة طائرنا تحمل معنى آخر فالنظام يدرك أن اعتقال المعارضة السورية لا يمكن أن ينهيها وكذلك يدرك أن مسلكه هذا إن هو إلا سلوكاً معاكساً لتوجهات المجتمع الدولي كافة, لذلك بدا في المرحلة الأخيرة أكثر ازدواجية في مواقفه على الصعد كافة فهو أقرب إلى الوصول إلى طريق مسدود فالحرية والديمقراطية لابد أن يرفرف لواءهما في بقاع الوطن السوري بَعُد الزمن أم قَرُبْ ومهما كانت التضحيات وليس غائباً عن عقل النظام إن الوقوف في وجه التيار إنما يدمر صاحبه وكما أثبتت وقائع سنوات هذا العقد من هذا القرن حيث أضحت أوطاننا في قلب اهتمامات الدول الكبرى التي كان لها الدور الرئيسي والمركزي دائماً في صناعة توجه التاريخ.
فإذا كان حكامنا من هواة تخليد ذكراهم وهو ما يعشقونه فإننا نتمنى أن يستوعبوا جيداً هذه الحقيقة التاريخية وأن ينظروا إليها من زاوية الفعل الاستثنائي, ولكن من أجل مصلحة هذا الوطن ومن أجل مستقبل هذا الشعب وليس من أجل مصلحتهم وذواتهم ومن أجل الالتصاق أكثر في مواقع السلطة.
وعليه فإننا وعلى خلفية إطلاق ميشيل نطلب من النظام اليوم أكثر من أي وقت مضى الإصغاء إلى متطلبات هذا الوطن وحاجاته والتي أصبح لا غنى عنها وهي إعطاء الحريات المختلفة للناس واحترام حقوقهم والعودة إلى المبادئ الأساسية لدولة الحق والقانون والاعتراف بالآخر وهذه جميعها أصبحت من مفردات هذا العصر والتي لا مناص من أخذها بعين الاعتبار وإلا فإن نفايات التاريخ لا ترحم.




















