المستقبل- عمان ـ خليل رضوان
تفاوتت ردود الفعل العربية ازاء المتنافسين على السلطة في إيران عقب انتخابات رئاسية أججت احتجاجات شعبية غير مسبوقة منذ الثورة الإسلامية العام 1979 التي رسخت ولاية الفقيه بعد أن أطاحت نظام الشاه.
التفاوت في ردود الفعل العربية حيال ما حدث في إيران وهو تفاوت في مسافة القُرب أو البُعد بين هذا الطرف العربي أو ذاك مع إيران، سياسيا وجغرافيا ومذهبيا، ويرد أيضا إلى طبيعة التحالفات العربية.
ثلاث دول عربية فقط رحّبت بالنتائج (العراق وسوريا وقطر)، وكذلك فعلت حركتان سياسيتان ("حماس" و"حزب الله")، فيما كان التجاهل ما يحدُث في إيران السمة الغالبة لباقي الدول العربية، حتى ان عواصم عربية كثيرة لم ترسل برقية تهنئة للرئيس محمود أحمدي نجاد.
ويبدو أن صناع القرار في العواصم العربية يفضلون ترقب ما سيؤول إليه مستقبل بلد بات في قبضة ثورة غير منتهية عكست متغيرات عميقة في صورة وطبيعة النظام بين قطبي المحافظين بقيادة أحمدي نجاد الذي أعيد انتخابه لولاية ثانية وأخيرة، والإصلاحيين وأبرزهم مير حسين موسوي.
وفسر مراقبون صمت دول عربية حيال إيران بعدم اتهامها بأنها تتدخل في شؤون دولة طالما اتهمت بالوقوف وراء محاولات زعزعة أمن واستقرار دول عربية، على خلفية تناقض الأجندات السياسية.
لكن غالبية الدول العربية تفضل عدم التعامل مع ولاية ثانية لنجاد، بطل تأزيم العلاقات مع الخارج وصاحب خطاب شعبوي متشدد وتحريضي ضد دول الاعتدال العربي. في المقابل ترى في موسوي أكثر مرونة وواقعية سياسية من نجاد.
ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية والباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الاردنية محجوب الزويري انه "رغم أن الموقف الايراني إزاء بعض القضايا والملفات، لن يتغير بتغير الرئيس، والتي تشكل قلقا أردنيا، إلا أنه يعتقد بأن الاردن الرسمي يتطلع إلى رئيس جديد اقل صدامية".
وفي الوقت الذي يعتبر ان نجاد يتعامل بشكل صريح وواضح ( صدامي)، في حين أن موسوي نظريا "اقل صدامية"، إلا أن "الأخير" في شخصيته "البراغماتية" لا ينهي حالة "القلق" العربية، لافتا إلى ان أجندة موسوي الداخلية تبقى أقرب إلى سياسة الدول العربية المعتدلة فهو يطالب بإصلاحات تفضي إلى تعددية سياسية واجتماعية وثقافية تعطي دورا للقطاع الخاص كمحرك أساسي لإدامة النمو الاقتصادي وانتشال البلاد من سياسات نجاد العديم الخبرة، التي أفقرت إيران وضاعفت من مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية.
وفي ما يتعلق بالعلاقات العربية الإيرانية، أوضح الزويري أن الفترة ما بين 1997 – 2005 وهي الفترة التي حكم فيها هاشمي رفسنجاني شهدت تقدما ملموسا بين كل من السعودية وسلطنة عمان مع إيران حيث تم التوقيع على معاهدات أمنية، بيد أنه اتهم الرئيس نجاد بتفجير المنطقة من خلال تصريحاته النارية حول إسرائيل والهولوكست والبحرين، مشيرا الى ان الموقف العربي يرى في المسألة الإيرانية الآن مسألة محلية لا علاقة لنا بها. لكن السؤال المطروح: كيف سيتم التعامل مع الرئيس نجاد بعد أن ثبت نجاحه رسميا? ومن سيهنئه في البداية? مؤكدا أن الجميع في نتظار من يبدأ بالتهنئة أولا، كما أوضح أن "حزب الله" و"حماس" وقطر حسمت أمرها تجاه إيران مبكرا بالمباركة.
وقال الزويري ان العلاقة بين السعودية وإيران تحكمها الجغرافيا السياسية فيما توجد مسافة كبيرة تفصل إيران عن كل من مصر والأردن، إلا أنه أشار إلى وجود "حماس" و"حزب الله" في المنطقة وأن المطلوب اعتماد سياسة المكاشفة مع إيران لإظهار الشفافية، مؤكدا أن العلاقات العربية مع إيران في السنوات الاربع المقبلة لن تكون طيبة، كما أنه توقع عدم قيام الرئيس مبارك بلقاء نظيره أحمدي نجاد في مؤتمر شرم الشيخ الشهر المقبل.
ويرى الباحث الاستراتيجي جمال الطاهات أن الصمت العربي حيال ما جرى في إيران بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة لم يكن مفاجئاً، اذ ان الصمت والتجاهل العربي استمرار لذات الموقف الذي يريد تأييد اللحظة الراهنة.
ويقول معظم الأطراف في الوطن العربي ان التغيير آت لا محالة، لكنهم تتجاهلو هذه الحقيقة وتمنو أن تتأخر. وكلما تأخر التغيير في أي مكان في العالم كان ذلك إشارة لتأخره في العالم العربي.
أما السبب الآخر للتجاهل الرسمي العربي فهو حقيقة أن إيران كقوة إقليمية صاعدة عصية على الاحتواء، وغير مرشحة للتدمير، كما حصل للعراق والجزائر. وهذه الحقيقة تجعل أي عنوان للتطور الإيراني، وأي مسار تأخذه مسيرة التقدم الإيرانية تحديا سافرا للنخب الرسمية العربية.
ويضيف الطاهات ان الهيئة الرسمية العربية، وقفت مشدوهة تجاه ما جرى، فانتصار القوى الإصلاحية سيجعل إيران أكثر تأثيراً، وأكثر فاعلية ويعيد الوهج الذي أخذته إيران بعيد الثورة العام 1979. وإذا هزمت القوى الإصلاحية فإن المنتصر ليس صديقاً للأنظمة العربية. فما جرى في إيران يمثل صفعة لكل المنظومات السياسية العربية.
ويرى أن الصراع في إيران ليس بين أجندة عربية وأخرى معادية للعرب بل الصراع والتنافس في إيران يجريان على مجد مرتقب عنوانه تفاهم إيراني أميركي. والنخب الحاكمة في إيران، أياً كان موقعها على خطوط انقسام الحوار الوطني الإيراني الداخلي، تتقدم وتتنافس لتفوز بمجد ترتيب الأوراق مع الولايات المتحدة. ولكن حسب أجندات واولويات متنافسة.
ولفت الى ان الهيئة الرسمية العربية، علمت أنها لا تمثل قضية في التنافس داخل إيران وأن كلا المتنافسين ينظران للعالم العربي العاجز المهزوم باعتباره فرصة تاريخية لا تعوض، ولكن بتصورات وآليات مختلفة، لهذا السبب لم تبرز أصوات عربية تعلن عداءها لنجاد، لتؤيد الإصلاحيين.
ففوز هؤلاء سيلهم الجماهير العربية للقيام بخطوات أكثر جرأة نحو الإصلاح. وفوز نجاد يعني استمرار النهج الإيراني الذي يتعامل باستعلاء مع نظام عربي رسمي مهزوم ويريد أن يحمل الهزيمة لشعوبه التي تعاني نكبات مركبة.
الشارع الشعبي غير مكترث
ويلاحظ غياب الاهتمام الشعبي العربي بالانتخابات الإيرانية الأخيرة، على خلاف الانتخابات الأميركية التي وصل حجم الاهتمام الشعبي بها إلى درجة غير مسبوقة.
ويرى المحلل السياسي الأردني محمد ابو رمان ان ذلك يعود إلى حجم السخط الشعبي الشديد على سياسات الرئيس السابق جورج بوش، ما انعكس على الموقف من الحزب الجمهوري من ناحية، ولطبيعة شخصية باراك أوباما، التي شكلت في ذاتها حالة مغايرة في وعي الجماهير لطبيعة المرشحين الأميركيين.
ويضيف لكن في المشهد الإيراني يبدو الوضع مختلفاً، فعلى الرغم من تصاعد الدور الإيراني، لم يبد المواطن العربي مكترثاً لفوز نجاد أو مرشح آخر، ويبدو أنّ ذلك يعود الى عدم وجود شعور بفارق كبير بين المرشحين أو تأثير مباشر يمكن أن تلقيه الانتخابات على الأوضاع الإقليمية.
وقد يعود غياب الاهتمام الشعبي أيضاً الى محدودية التغطية الإعلامية العربية وشح المعلومات التي تصل عن ديناميكية المعادلات الداخلية هناك.
ويقول في المقابل، شهدت الأوساط النخبوية العربية انقساماً ملحوظاً حول معادلة الانتخابات، فبينما كان الجناح المتحالف مع إيران من الإسلاميين، والجناح المحافظ أقرب إلى الرئيس نجاد ويحسب أن انتصاره تأكيد على مقولاته الكلاسيكية من الناحية الفكرية وصلابة تحالفاته السياسية الواقعية، فإنّ النخب العلمانية العربية، غير المتقاطعة فكري مع محور الممانعة، كانت تفضل نجاح موسوي لهز الثقة بالمشروع السياسي الإسلامي، فضلاً عن أنّ هنالك جناحا إصلاحيا شبيها داخل حركات إسلامية عربية كان يتطلع إلى فوز موسوي للتأكيد على صوابية مواقفه المطالبة بمراجعة مقولات الحركات الإسلامية.
في المقابل كان موقف الإسلاميين ملتبسا فهم يفضلون في "العلن" عدم التدخل في الشأن الإيراني على ضرورة أن تتوجه ايران لعلاقات أفضل مع المحيط العربي والإسلامي، لكنهم في الواقع يرون في إيران النصير للقضية الفلسطينية، وداعما للحركات الاسلامية المناهضة للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.
ولكن على الوجه المقابل تركت الانتخابات الإيرانية أثرها في الشارع العربي على مستويي الديموقراطية الإيرانية وعقدة النزاع مع الغرب. فانقسم بين تيار إصلاحي ديموقراطي يتمنى أن تنبّه أحداث إيران الأنظمة العربية ذات الغالبية الشمولية إلى ضرورة تبني خيار الحرية السياسية وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صنع القرار. وتيار يرى ان الغرب يحرك انتفاضة الشارع الإيراني لضرب الصمود الإيراني المقاوم لأميركا والصهيونية.
أما إعلاميا، فالوضع مختلف تماما. فالكثرة العربية، ليست حذرة كحال إعلام سوريا والعراق، بل تبْدو موزَّعة بين الانتشاء بما يجري في شوارع طهران وثورة أبنائها ضدّ تزوير الانتخابات، وبين اعتبار ما يجري في إيران نوعاً من الفشل في تجربة حُكم رجال الدِّين وتجسيدا لانقِسامٍ شديد بين عناصر النُّخبة الحاكمة الإيرانية (أو أبناء الثورة)، رغم التزامهم جميعا أسُس النظام الإسلامي الحاكِم ومبادِئ ولاية الفَقيه، وتعبيرا عن صِدام بين جيل جديد صاعِد راغِب ومتطلّع إلى التغيير الجِذري، وإن بتدرّج، والانفتاح على العالم الخارجي من دون فقدان لهويته الذّاتية.
وفي هذا السياق الإعلامي العربي العام، يرى محلِّلون عرب أن ديموقراطية إيران، ليست أفضل حالا من ديموقراطية بعض العرب الذين يقُيمون الإنتخابات البرلمانية، لكنهم يزوِّرونها، غير مُعتدّين بإرادة الناس. ويرى آخرون أن إيران، بما فعله المرشد وحكومة نجاد ثمّ الحرس الثوري وقوات الباسيج في مواجهة الطلاب والشباب، هو تجسيد لثقافة شرقِية ترفض احترام إرادة الأمّة وتفرض بدلا منها إرادة نُخبة حاكمة.
ويبقى العربُ شأنهم شأن الآخرين، يتابعون ما يجري في إيران بحذر، وتمُوج بينهم تحليلات ورُؤىً عن مصير النِّظام في طهران، وتمتدّ إلى التكهّن بما سيكون عليه الوضع إن تصاعدت الثورة الشعبية واستمرت المواجهات بين الشباب الإيرانيين وميليشيات النظام على أنواعها.




















