على ما يبدو، يتعين على والدي جلعاد شليط الجندي الإسرائيلي الأسير لدى حماس)، وعلى أغلبية الإسرائيليين أيضا، أن يشكروا الله ويصلّوا لأن الإفراج عن الجندي الأسير ليس مرتبطا بمصير محادثات المصالحة بين حركتي فتح وحماس. ففي الأسابيع الأخيرة، أُثيرت في وسائل الإعلام أنباء عن اتفاق وشيك سيتم بين التنظيمين، وفقا للخطة التي اقترحتها مصر، وأن هذا الاتفاق سيفضي إلى إطلاق سراح شليط. لكن بعد أن تبين يوم الثلاثاء الماضي أن الجولة الجديدة من المحادثات الجارية في القاهرة قد انتهت بالفشل، فيجدر بنا التعلل بالأمل في أن يُدير المنسق الإسرائيلي، حغاي هداس، المفاوضات للإفراج عن شليط، بشكل منفصل عن التطلعات المصرية لتحقيق السلام الداخلي الفلسطيني.
الجولة السادسة من محادثات القاهرة، التي بدأت يوم الأحد، انتهت من دون نتيجة. وكانت هذه المحادثات أثارت توقعات أكبر من السابق لأسباب عدة: الشعور باللحظة التاريخية والتوقع بحصول تغيير ناجم عن خطاب الرئيس الأميركي، براك أوباما، في القاهرة؛ التحذير المصري للطرفين، الذي حدد تاريخ السابع من تموز موعدا لإجراء مراسم التوقيع على اتفاق المصالحة؛ اللهجة الجديدة، الإيجابية، التي ظهرت في كلام مسؤولين كبار من حماس إزاء نظرتهم إلى الولايات المتحدة؛ وحتى القرار الأميركي بإعادة السفير إلى دمشق، الذي أوجد شعورا بأن سوريا ستنضم أيضا إلى حملة الضغط الممارس على قيادة حماس من أجل الموافقة على التسوية المصرية.
كان ثمة سبب إضافي للآمال الكبيرة المعقودة: مساعي التسويق المصرية ومساعي محاوريهم الأوروبيين والأميركيين، الذين ادعوا أن حل النزاع بين فتح وحماس، سيقود سريعا إلى خطوة شاملة من " التهدئة العارمة": رفع الحصار عن قطاع غزة، الإفراج عن شليط، انتخابات مبكرة في الأراضي التابعة للسلطة الفلسطينية، ومن بعدها ـ ربما نشهد عهدا جديدا لا تكون فيه حماس في السلطة.
التسويق المصري فعل فعله في أوساط المجتمع الدولي، حيث صدرت ردود فعل متحمسة من قبل الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، رئيس الولايات المتحدة السابق جيمي كارتر، وعن محافل في الإدارة الأميركية الحالية. لكن، وكالعادة، لم يقم أولئك الذي يجرون الحسابات ويديرون الدفة، بالمتابعة الكافية للمواقف التفصيلية لقادة حماس وفتح، ولم يطلعا بشكل خاص وأساسي على ما يحصل داخل التنظيم الإسلامي. وبكلمات آُخرى، الريبة الموجودة لدى كبار المسؤولين في حركتي فتح وحماس إزاء فرص نجاح الحوار كانت أكبر بكثير من مستوى الريبة الموجود في الغرب. وقد أوضح مسؤول كبير في حركة فتح لـ" هآرتس"، أنه لم يُصب بخيبة أمل، وأضاف " خيبة الأمل هي من نصيب من عقد آمالاً كبيرة على هذا الحدث. لم يكن لدي أية توقعات".
بالنسبة لحماس، كان ثمة عنصر أساسي في الاقتراح المصري، لكن الحركة أدركت جيدا الإشكالية التي ينطوي عليها. فلم يُطلب من حماس الموافقة على تشكيل حكومة وحدة وطنية تعترف بإسرائيل، ولم يُطلب منها التنازل عن سيطرتها على قطاع غزة. لكن اللجنة الخاصة التي أراد المصريون تشكيلها من أجل إدارة أموال إعادة إعمار غزة، كانت ستقضم صلاحيات حكومة حماس عاجلا أم آجلا. كما أن الخطة التي وُضعت من أجل تأسيس قوة مشتركة من حماس وفتح ترمي إلى إضعاف السيطرة العسكرية للحركة على القطاع. ولم يكن قادة الجناح العسكري لحماس مستعدين للسماع عن دخول قوة عربية إلى غزة. وثمة شك فيما إذا كانت الانتخابات العامة ستخدم حماس في ضوء تراجع قوتها في استطلاعات الرأي الأخيرة ( التي تشير إلى أن 18.8 % يؤيدون حماس، مقابل 38.8 % يؤيدون فتح).
على الرغم من كل هذه الأمور، لم ترفض حماس بصورة تامة أي من مبادئ الخطة المصرية. العكس هو الصحيح: وافقت حماس على كل المطالب تقريبا. لكنها أصرت تحديدا على إطلاق سراح كل معتقليها من سجون السلطة، قبل التوقيع على الاتفاق، وهذا الإصرار يثير الشبهة بأنه كان مجرد ذريعة ممتازة للتمسك بها من أجل نسف الاتفاق المتبلور- وتوفير النقاش حول كل البنود الاُخرى التي تثير قلق الحركة.
في نهاية المطاف، فإن أعضاء التيار المتشدد في حركة حماس هم من حسم الأمر ضد التوقيع على الاتفاق مع فتح، على الأقل في هذه المرحلة. فهناك عدد غير قليل من كبار مسؤولي الحركة، في غزة ودمشق، معنيون بالمصالحة الآن. لكن يبدو أن الجناح العسكري في غزة، برئاسة أحمد الجعبري، غير مستعد الآن حتى للتفكير بأي تنازل عن سيطرته في غزة. وانضم إليه مسؤولون كبار من حماس في الخارج، مثل عماد العلمي، المعروف بصلاته الجيدة مع النظام في طهران.
من المحتمل أنه من السابق لآوانه لنعي جهود الوساطة المصرية. ففي الجولة القادمة من المحادثات، التي تحددت في 25 تموز، قد تحدث انطلاقة ما. لكن يبدو أنه في ضوء خيبة الأمل لدى الطرفين، قد تتجدد "حرب الاعتقالات" التي تعتقل فيها حماس أعضاء فتح في القطاع، بينما تعتقل فيها فتح عناصر حماس في الضفة. في مثل هذه الحال، ثمة شك في انعقاد جولة المحادثات الجديدة في موعدها المقرر.
يُعتبر الفشل الحالي في القاهرة ضربة لجهود إدارة أوباما لإنقاذ عجلة المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين من المستنقع. إذ يمكن لإسرائيل أن تتمسك مجددا بحجتها المجربة، التحذيرية: الادعاء بأنه لا يوجد شريك في الجانب الفلسطيني طالما استمرت سيطرة حماس على القطاع. وربما يحاول أوباما التركيز على ممارسة الضغط لتجميد البناء في المستوطنات، لكن المشكلة الجوهرية والفورية له ستبقى حماستان في القطاع.
وماذا بعد؟ حتى لو فشلت جولة محادثات تموز، فسيضطر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى اتخاذ قرارات قاسية وصعبة. من جملة هذه القرارات، سيقرر ما إذا كان سيُعلن عن إجراء انتخابات للرئاسة والبرلمان بكل ثمن، في كانون الثاني 2010. عندها ستضطر حماس أيضا إلى أن تقرر ما إذا كانت ستشارك في الانتخابات والمخاطرة بخسارة الانتخابات أو الظهور في مظهر من يعرقلها.
("هآرتس" 3/7/2009)
ترجمة: عباس اسماعيل




















