– 1 –
كان الرئيس المصري حسني مبارك محقاً، في رأي عدد من المتابعين العرب للوضع في العالم العربي ولحركة الأنظمة داخله على تنوعها وتناقضها، عندما لم يخف تفاجؤه بمبادرة العاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز الى مصالحة الرئيس السوري بشار الاسد في القمة العربية الاخيرة التي استضافتها الكويت بعد قطيعة طويلة كان سببها المباشر لبنان وما جرى فيه وله وكذلك لحلفائه فيه على أيدي سوريا. ولم ينبع موقفه من سياسة ثابتة تقضي باستمرار ممارسة الضغط على النظام في سوريا لحمله على التخلي عن سياسته المنبثقة من استراتيجيا اتفق عليها مع حليفته الجمهورية الاسلامية الايرانية والتي تسببت ولا تزال تتسبب بالكثير من الصعوبات والمشكلات لمصر وسياساتها بل لمعسكر الاعتدال العربي الاسلامي كله ولحلفائه الدوليين وأحياناً بما هو أكثر من صعوبات ومشكلات. ولم ينبع موقفه أيضاً من انزعاج لأن العاهل السعودي لم يطلعه مسبقاً على نيته التصالح مع سوريا بشار الاسد وتالياً هدم جدار العزلة العربية ولاحقاً الدولية الذي سوّرها بسبب سياساتها المعروفة. علماً ان العلاقات الوثيقة بينهما قامت دائماً على التشاور المستمر والمسبق حيناً واللاحق حيناً آخر حول كل القضايا كبيرة كانت أو صغيرة. وعلماً ايضاً ان هذا الانزعاج قد يكون "انوجد" في حينه. ولم ينبع موقفه (أي الرئيس المصري) اخيراً من اعتقاد ان الخطوة التصالحية للعاهل السعودي انما تعكس خطة ممارسة المملكة لدور القيادة في العالم العربي بعدما كان هذا الدور لمصر الدولة الاكبر والاكثر مسؤوليات من الناحية القومية وخصوصاً في موضوع فلسطين المحتلة وشعبها المشرّد واللاجئ والمقيم تحت الاحتلال والذي يعرف الجميع ان مصر هي صاحبة الباع الأطول فيه والخبرة الأكبر. علماً ان هذا الاعتقاد لم يكن بعيداً من الحقيقة في شكل من الاشكال. لكن موقف الرئيس المصري حسني مبارك نبع من اقتناعه بأن العاهل السعودي قدم للرئيس السوري، ليس طوق نجاة كما يعتقد البعض لأنه كان تجاوز مرحلة الخطر الشديد بل الخطر في ذاته يوم حصلت المصالحة، بل غطاء يساعده في فك عزلته وفي تشجيع العرب الآخرين وعدد من الدول الاوروبية وكذلك اميركا الجديدة أي اميركا بعد بوش على الانفتاح عليه والتفاوض معه على مشكلات المنطقة، وخصوصاً التي هو متورط فيها. ولم يطلب منه في مقابل هذا الغطاء اي شيء صغيراً كان أو كبيراً. ونبع موقفه أيضاً من معرفة بسوريا الاسد اباً وابناً ومن قدرة كل منهما على توظيف هذه المصالحة بطريقة تمكنه من تحقيق اقصى ما يمكن من مصالحه حتى التي هي موضع اعتراض سعودي وفي تقديم أقل ما يمكنه في المقابل سواء للمملكة أو لأصحاب القضايا التي تتولى الدفاع عنها. علماً انه يحاول ان لا يقدم أي مقابل اذا استطاع الى ذلك سبيلا. ويعمل في الوقت نفسه على استمرار المملكة في العمل مع سوريا على الحلول التي ترى انها مفيدة للعالم العربي وعلى جعل عودتها عن هذا العمل او وقفها المشاركة فيه أو حتى مساءلتها عما قدمت وماذا فعلت امراً صعباً جداً.
ما الذي دفع هؤلاء المتابعين العرب انفسهم الى استذكار الموقف المصري لاظهار "شطارة" النظام السوري وبراعته في التعامل مع المملكة العربية السعودية؟
الحركة السعودية في اتجاه دمشق والرامية الى ترتيب العلاقة اللبنانية – السورية، وتسهيل تأليف حكومة لبنانية جديدة بعد الانتخابات النيابية التي أجريت أخيراً تأخذ في الاعتبار اوضاع لبنان ومكوناته ووضع سوريا ودورها ومطالبها ووضع المنطقة كلها بعربها و"الاعاجم". هذه الحركة هي التي دفعت هؤلاء المتابعين الى الاستذكار المفصل أعلاه.
إذ استفادت سوريا من انفتاح اوروبا عليها ومن علاقتها الجيدة بتركيا ومن رصيدها التفاوضي مع اسرائيل الرسمي والمباشر وغير الرسمي وغير المباشر، واستعدادها العلني لتسوية سلمية معها ومن انفتاح اميركا اوباما عليها، أولاً بقرار اجراء حوار معها وتنفيذه ثم بقرار تعيين سفير لها في دمشق بعد سنوات من القطيعة ولكن على مستوى السفراء، وقدرتها على المساعدة في موضوع ايران وانطلاقاً منه في موضوعي "حماس" و"حزب الله" واصرار اوباما على حل مشكلة فلسطين على اساس حل الدولتين وتمسكه بوقف الاستيطان الاسرائيلي بكل اشكاله وتقديره الجيد للمبادرة السعودية السلمية التي تحولت عربية – اذ استفادت سوريا من كل ذلك و"جرجرت" اقدام المملكة العربية السعودية الى التحاور معها ولكن انطلاقاً من لبنان. وفي حوار كهذا ورغم اهتمام المملكة بلبنان وحرصها على حل لمشكلاته مختلف عن الحل الذي تريده سوريا وتمسكها بسيادته واستقلاله وديموقراطيته وبقائه بعيداً من الوصاية السورية التي عاناها طويلاً فإن سوريا بدأت تحاول اقناع المملكة بمواقف او ربما بشروط مطلوبة من اللبنانيين تؤدي تلبيتها الى استقرار امني ربما وحتى سياسي ولكن تؤدي في الوقت نفسه الى عودة دمشق عاصمة القرار اللبناني. طبعاً لم يتجاوب افرقاء لبنانيون مع ذلك، ولا أحد يعرف اذا تجاوبت المملكة. لكن ما يعرفه المتابعون ان الامور تعقدت الى حد ما لاسباب عدة يقال ان ابرزها ان السعودية غير قادرة على التضحية بلبنان وعلى وقف الحوار مع سوريا لأن موضوعاته متشعبة ولبنان ليس الأكثر أهمية بينها. لكن ما لا يعرفونه الآن هو هل تضحي المملكة بلبنان أو بجزء من قراره وسيادته من أجل سوريا والموضوعات الأخرى الأكثر أهمية منه؟ وهذا السؤال يبقى الجواب عنه غير معروف الى ان يقرر السعوديون اعطاءه سواء رسمياً أو بالممارسة.
هل سوريا الاسد اباً وابناً على هذه الدرجة العالية من الفطنة والذكاء والوعي والاستعداد والاعداد لكي "تجرجر" المملكة العربية السعودية الى حوار ينطلق من لبنان وضرورة تأمين مصالحه ثم يتجاوزه ومصالحه في صورة مطلقة؟
"النهار"




















