يمكن فهم اليوفوريا التي تنتاب وزير الخارجية الانكليزي ميليباند و هو يتحدث عن إيران , فهناك الكثير جدا من الأحداث و الوقائع التي يفترض أن تسبب له الكآبة , فشعبية حكومة حزب العمال في أسوأ مستوياتها و نتائج الانتخابات الأوروبية تشير إلى تقدم اليمين العنصري من جهة أو إلى لا مبالاة كبيرة من جانب الناس بكل هذه اللعبة التي تبدو أتفه من أن يفكر في المشاركة فيها من جهة أخرى , هذا أوروبيا , بينما تراجعت ثقة الشارع البريطاني بمؤسساته الدستورية مع انكشاف فضيحة إساءة استخدام المال العام من قبل نواب في البرلمان , تبدو تلك الديمقراطية التي يركلها الناخب الأوروبي بعيدا , بعد أن سلبه حكامه و الطبقة التي يمثلونها حتى بيته في قارة نهبت العالم و أبنائها لقرون لتشيد فقط قصورا لأغنيائها , تستحق المديح فقط عندما يحتج الإيرانيون في الشوارع على تزوير الانتخابات الرئاسية لصالح نجاد و دفاعا عن حق شخص مثل موسوي في حكمهم , بينما حقق نظيرو نجاد الأوروبيون , اليمين العنصري المعادي للأجانب , انتصارات انتخابية صريحة في الانتخابات الأخيرة مزيحين أو مهددين سيطرة النخبة الفاسدة الحاكمة , يجب هنا أن نتذكر أن أزمات مشابهة رافقت صعود هتلر في الثلاثينيات , فعندما تنتهي سياسات النخبة الحاكمة و الطبقة السائدة و فسادها و غباؤها إلى تدمير حياة الناس تنتهي الأيام الهادئة عندما كان الناس يسلمون رقابهم عن طيب خاطر ليقادوا كالغنم , هذا تماما ما يجري في إيران , فالنهب المنتظم للبيروقراطية المرتبطة بالمؤسسة الدينية حول حياة الملايين إلى صراع من أجل لقمة الخبز , و تستطيع ديمقراطية الرأسمالية أن تداعب خيال أبناء الطبقة الوسطى الذين انهار أغلبهم إلى طبقات أدنى عن عالم مختلف عن سيطرة الملالي و بيروقراطية النظام الفاسدة , من المؤكد أن شعبية نجاد في أسوأ أحوالها فحتى الذين لم يخرجوا في المظاهرات أو الذين صدقوا حكاياته عن الصراع بين الريف و المدينة و محاولاته للتقرب من فقراء الريف , صعقهم دون شك هذا القمع الهمجي , و ربما حتى استفزهم ذلك الحراك الخارج عن توجيهات السلطة في الشارع , لكن شعبية نظراء نجاد الأوروبيين في تصاعد , و بينما تتراجع شعبية ميليباند و حزبه و كل النخبة الحاكمة في أوروبا , بل و تبلغ مستويات غير مسبوقة من الرفض و الإدانة في الشارع , يبدو أنه قادر على أن يكسب شعبية ما , على الأقل بين الجماهير التي خرجت ضد نظام نجاد أو النخبة التي صفقت لها في العالم العربي دون أن يعني هذا على الإطلاق أنها ترغب بمظاهرات مشابهة في شوارع القاهرة و عواصم الخليج حتى لو كانت الأسباب ذاتها موجودة هنا أيضا , أي مهما كانت درجة تهميش الإنسان و نهبه هناك , يبدو أن نجاد كان سيكون سياسيا أوروبيا لامعا قادرا على كسب ود الجمهور الذي سيصفق بحماسة لدعايته القومية المعادية للأجانب أو فساد النخبة الحاكمة و أن ميليباند كان سيتحدث لجمهور أكثر استعدادا لتصديق ما يقوله عن الديمقراطية من أبناء شعبه لو أنه كان سياسيا إيرانيا , ليست القضية في أننا و الإيرانيين متأخرين عن الأوروبيين و بالتالي علينا أن نحذو حذوهم كي نصل إلى النتيجة ذاتها التي انتهوا إليها اليوم , فما يجري هو بندول لا يتوقف عن الحركة , ذات النواس , الذي يتحرك حركة وهمية من اليمين إلى اليسار و بالعكس , من ديمقراطية الأقوياء و الأثرياء إلى استبداد شعبوي , و في كلتا الحالتين الطبقة السائدة هي نفسها , و لو جزئيا , الرأسمالية المتحالفة مع هرم البيروقراطية الفاسدة , أو , بتعابير الاقتصاد السياسي , التذبذب بين الكنزية و الليبرالية و بالعكس بقصد الحفاظ على النظام و حمايته من أزماته و من الفقراء , ليس غريبا إذن أن تستعيض الأممية الموقفية , التي مثلت مركزا هاما لليسار المناهض للستالينية في الستينيات , الشعار القديم عن شنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس بشعار جديد عن شنق آخر رأسمالي بأمعاء آخر بيروقراطي , التي تبدو الطريقة الوحيدة لكسر تلك الحركة الوهمية من اليمين إلى اليسار دائما باتجاه الأغنياء و الحراس…



















