عام 2006، وبعد حرب تموز الاسرائيلية على "حزب الله"، قررت "جامعة كاليفورنيا – إرفاين" استحداث صف خاص تحت اسم "السياسات اللبنانية" في فرع العلوم السياسية في الجامعة.
كانت الفكرة جديدة تماماً. وكان هناك قلق لدى المشرفين على المشروع ان لا يستحصل هذا الصف على اهتمام من الطلاب بما يكفل – تبعاً للنظام الجامعي الاميركي – أن يتسجل فيه عدد كاف من الطلاب لفتح الصف.
الدكتورة لينا كريدية التي كُلفت منذ خريف العام 2006 وحتى هذا العام بتدريس هذه المادة، روت أمس خلال زيارتها لي في مكتبي تحضيراً لبعض المقالات التي تعمل على كتابتها وترغب بنشرها في "قضايا النهار" ان إدارة الجامعة – وهي شخصياً – فوجئتا بوصول عدد الطلاب المسجلين في صف "السياسات اللبنانية" كل فصل دراسي الى ما بين 40 الى 50 طالباً. ومن حصيلة تجربتها قالت ان هذا الاهتمام من الجيل الشاب الاميركي بلبنان لا يمكن فصله عن تأثير أحداث 14 آذار 2005 وما بعدها وصولاً الى حرب تموز…
كل هذه الأسطر – التجربة، هي مقدمة لخلاصة – تعتبرها لينا كريدية مأسوية وأشاركها هذا الاعتبار – هي المآل المحبط الذي وصلت اليه تجربة "14 آذار" كمشروع إصلاحي للدولة وللحياة السياسية، والمسؤول عن ذلك بوضوح لا لبس فيه هو الطبقة السياسية في النظام الطائفي اللبناني، ولا سيما التكوين الطائفي لقيادة هذه الحركة الذي أدى الى تبديد جهود (وتطلعات) جيل من آلاف الشباب المتعددي الطوائف بل غير الطائفيين المعزولين… وسط الجماهير الطائفية الكاسحة…
•••
لم أجد "أقوى" من هذه المعلومة الجادة حول لبنان وقد تحول الى "نموذج" دراسة قائم بذاته، للتوجه الى الوضع الداخلي في لحظته الراهنة، وتحت هاجس ان لا ندرس التجربة اللبنانية كنموذج فاشل فقط.
لهذا أَقترِحْ على الرئيس المكلف سعد الحريري أن يدعم صمته الجديد أو "خطابه الصامت" الجديد – وهو أمر يترك انطباعاً رصيناً عنه – بالانتقال بعد تشكيل حكومته الاولى التي ستكون حكومة آل الحريري الثامنة بعد خمس حكومات لوالده رفيق واثنتين لفؤاد السنيورة، الى تعزيز هذه الممارسة، ليس بالمزيد من الصمت وإنما الى اتباع خطاب ناطق وإنما ذو اقتصاد كلامي متحفظ إن لم يكن متقشفاً في المرحلة الجديدة.
لا أعني هنا عدد الكلمات، كمعيار كمّي للخطاب، وإنما مضمون الكلام.
هناك كلمات يجب أن تغيب من خطابه من نوع: "بناء الدولة" أو "استقلال القضاء" أو "لا أحد يعلو فوق سلطة القانون" أو "الاصلاح السياسي" وغير ذلك من الكلمات التي يستمع اليها الكثير من اللبنانيين جمهوراً ونخباً ويتعامل معها على انها مجرد كلام إنشائي… بالمعنى السلبي لكلمة "إنشاء" أي ما يقرب من الثرثرة الاستهلاكية. لكن أبرز ما يجب أن لا يستخدم بخفة – بدءاً من البيان الوزاري – هو تعبير "مكافحة الفساد".
بالمقابل يمكن لبعض من هذه التعابير أن يرد بصيغة متحفظة تكفل تحويلها الى خطاب يحظى باحترام جدي لا شكلي. من نوع مثلاً اضافة كلمة "يجب" ذات المحتوى الشرطي الى جملة "لا أحد يعلو فوق سلطة القانون" لأنه في نظامنا السياسي عديدون مَن هم "فوق القانون" وبالتالي فالـ"يجب" هنا ضرورية باعتبار الوجوب دعوة الى تغيير هذا الوضع… لا توصيفا تزويرياً لواقع مختلف.
يمكن ايراد العديد من المصطلحات التي ينبغي على الرئيس المكلف تجنبها – اذا استخدمها – فليستخدمها بصيغ مشروطة تفيد احترام النفس واحترام السامعين (او بعضهم!).
"الحد من الفساد" افضل – وأدق قطعاً – من القول: مكافحة الفساد. "تعزيز سلطة الدولة" افضل من ادعاء القدرة على "فرض سلطة الدولة".
في المجال الاقتصادي من المفترض – بل من الضروري – ان لا ترد كلمة "الانماء المتوازن" بعدما استهلكت نظرياً الا بعد ان يسمي الرئيس الجديد المكلف بتشكيل الحكومة عدداً من المشاريع الكبرى المحددة التي تستطيع ان تخلق "صدمة" ثم واقع "الانماء المتوازن". كأن يسمي مشاريع محددة في البقاع (مطار رياق) وفي الشمال (مطار القليعات) وغير ذلك من "افكار كبرى" ذات وقع عملي يستطيع ان يخلق آلاف الوظائف. الحصيلة الجوهرية هنا هي ان الانطباع الجاد عن "جيل جديد" في الحكم يجب ان يبدأ من دقة الكلام واقتصاده… الاقتصاد هنا بمعنى "التقشف" اللفظي لا السيولة. فالجيل الجديد – عكس الرائج لبنانيا وعربيا – يجب ان يعطي الانطباع ليس فقط عن دقة المصطلح، بل أيضاً عن ذكاء هذا المصطلح. هذا هو "جيل اوباما"… عندما لا يعود احد يشتكي من الاسهاب، بل يمتدح جدية المضمون الخطابي وقوته لدى هذا الرئيس الاميركي المميز والذي يتحول اسلوبه – على المستوى السياسي – الى ظاهرة عالمية مؤثرة من البرازيل حيث قرأت مواقف لزعماء – وحتى رؤساء بلديات – تتكلم على بداية تأثير "الأوبامية" في بعض مظاهر الحياة العامة في مدنهم الى اوروبا الى "الشرق الاوسط" رغم المعضلات البنيوية التي تواجه مسألة تغيير الصورة "الامبريالية" المتفاقمة للولايات المتحدة الاميركية خصوصاً حيال الارث العدواني المتجدد للدور الاسرائيلي في المنطقة.
لا ادعو رجل "يمين وسط" كسعد الحريري الى ان يقلد رجل "يسار وسط" كباراك اوباما. لا سيما حين يتعلق الامر في لبنان بإرثين ليمين الوسط: ارث "دولة الرعاية" الاجتماعية ذات النمط الاوروبي يميناً ويساراً، وارث اقتصاد "ليبرالية السوق" الذي انطلق مع "المشروع الاعماري" للمرحوم رفيق الحريري. المهم ان يتحول الالتزام التنموي المتوازن داخل "بيروت الكبرى" وخارجها الى خطاب "مشاريع كبرى" للقطاعين الخاص والعام حسب طبيعة كل مشروع وليس الى "خطاب فيلونتروبي" (اي خيري) يعتمد على "الحسنات" و"الهبات" التي يصور "النظام السياسي" انه مصدر "نعمتها" فتتوزع "التبرعات" (بما فيها المال العام) بين "دويلات" هذا النظام الطائفية في الجنوب والجبل والساحل. ويعرف الرئيس المكلف ان مدينة عزيزة عليه كطرابلس تعاني اليوم مما اسميه سيطرة "الفكر الفيلونتروبي" على الصورة السائدة لمشاريع تنميتها بعدما اصبحت تضم بعض اكبر وأفقر الأحياء المعدمة في لبنان، وفي ظل تحالف سياسي أحكم تمثيله لها.
من الصمت الناجح… عليك ان تنتقل الى اقتصاد الكلام اعني في المضمون.
لتكن كل كلمة ذات مدلول يا دولة الرئيس.
(alkadaya@hotmail.com)
"النهار"



















