جاءت الذكرى الثالثة لحرب تموز، أو كما يسميها الإسرائيليون "حرب لبنان الثانية" هذا العام وسط متغيرات مهمة طرأت على الحياة السياسية في إسرائيل وفي المنطقة. وعلى الرغم من أن هذه الحرب كانت الأكثر عرضة للإنتقادات في تاريخ الحروب الإسرائيلية – العربية نظراً الى الإخفاقات الكثيرة والتقصير الذي وقع فيه الجيش الإسرائيلي وأدى الى تشكيل لجنة تحقيق خاصة هي لجنة فينوغراد؛ فإن الصورة اليوم تبدو مختلفة من وجهة نظر إسرائيل عما كانت عليه قبل عام او عامين.
فعلى الرغم من كل الإنتقادات الإسرائيلية لعدم تطبيق قرار مجلس الأمن 1701 بالكامل والتحفظات عن أداء قوات الطوارىء الدولية في جنوب لبنان، والتخوف الكبير من استمرار "حزب الله" في بناء قوته العسكرية واستكمال ترسانته الصاروخية، وبحسب التقديرات الإسرائيلية بات الحزب قادراً على اطلاق 500 الى 600 صاروخ يومياً على إسرائيل يمكنها أن تصل الى تل أبيب؛ فإن الهدوء الذي يسود الحدود اللبنانية – الإسرائيلية منذ تموز 2006 هو الأول من نوعه بإعتراف العسكريين الإسرائيليين منذ عام 1968.
لقد أثبتت أحداث العامين الماضيين أن حرب تموز كبحت الى حد بعيد من قدرة الحزب على التحرك ضد إسرائيل. وفي العامين الماضيين مر وقف النار بين إسرائيل و"حزب الله" بإختبارين أساسيين صمد خلالهما؛ الأول لدى إغتيال القائد العسكري للحزب عماد مغنية في شباط 2008، والثاني خلال الحرب على غزة مطلع هذا العام. فعلى الرغم من التهديدات التي أطلقها الأمين العام للحزب السيّد حسن نصر الله بالإنتقام من إسرائيل التي اتهمها بإغتيال مغنية فإن شيئاً لم يحدث حتى الآن. كذلك خلال حرب غزة وعلى الرغم من حملة التأييد الكبيرة التي خاضها الحزب دعماً لـ"حماس" فإنه لم يُقدم على فتح الجبهة اللبنانية تخفيفاً من الضغط على جبهة غزة.
ولكن صمود وقف النار واستمرار الهدوء على الحدود الشمالية لا يخفيان القلق داخل إسرائيل وخارجها من احتمال انهيارهما في أي لحظة، وأبرز دليل على ذلك كلام الأمين العام للأمم المتحدة على وقف النار الهش في لبنان في التقرير الذي رفعه الى مجلس الأمن عن تطبيق القرار 1701.
صمود وقف النار في الفترة الماضية لم يمنع إسرائيل من استمرار حربها الخفية ضد "حزب الله" في لبنان عبر وسائل مختلفة منها شبكة التجسس لمصلحة إسرائيل والتي كشفت عنها السلطات اللبنانية في الأشهر الأخيرة، والتهديدات التي يطلقها من حين الى آخر المسؤولون الإسرائيليون ضد الحكومة اللبنانية و"حزب الله" على حد سواء في حال عودة التوتر الى الحدود مع لبنان، والتحذيرات الإسرائيلية المتكررة من مشاركة وزراء لـ"حزب الله" في الحكومة الجديدة. ويبدو واضحاً أن هدف سياسة الردع الكلامية التي تنتهجها إسرائيل ضد الحزب زيادة القيود عليه، من التهديد بـ"نظرية الضاحية" كرد مدمر على أي عملية يقوم بها الحزب ضد أهداف إسرائيلية، الى المحاولات الإسرائيلية المحمومة لتطويق الحزب دولياً ونزع الشرعية عنه ومنع الدول الغربية من التحاور معه بحجة أنه تنظيم إرهابي، وسعيها الدؤوب الى التشويش على عملية لبننة "حزب الله" وانخراطه في الحياة السياسية الداخلية اللبنانية عبر تضخيم خطورة تحالفه مع إيران في لحظة حرجة للغاية حيث يوماً بعد يوم تتصاعد لهجة المواجهة بين إيران والمجتمع الدولي على خلفية إصرارها على مواصلة مشروعها النووي، ويزداد الكلام الإسرائيلي على امكان توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية في إيران.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الوساطة الأميركية لتحقيق التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين على قاعدة دولتين لشعبين؛ وما سينتج من عودة المفاوضات بين وسوريا واسرائيل وربما لبنان وإسرائيل؛ وما سيحققه الحوار بين الولايات المتحدة وإيران سيستمر الهدوء هشاً على الحدود بين لبنان وإسرائيل.
"النهار"




















