تعيش منطقة الشرق الأوسط حالة من التهدئة والترقب الحذرتين، وتشهد في نفس الوقت حركة دولية ناشطة، ما رشح من نتائج ومعطيات عنها حتى هذه اللحظة ينبئ عن متغيرات في السياسة الدولية تجاه قضاياها وسبل معالجتها، بما يضمن مصالح الدول الكبرى فيها، وإنها ستعتمد القوة الناعمة بشقيها /الدبلوماسي – الحوافز/ بدل القوة الصلبة /العمل العسكري/ التي أثبتت فشلها الصريح، وأدت إلى نتائج لايزال من الصعب السيطرة عليهاوتطويق تداعياتها /العراق – أفغانستان/.
البداية كانت في زيارات رايس المتكررة إلى كل من مصر والأردن والسعودية، وانتهائها في خيمة القذافي "العروبية"، وزيارة برلسكوني إلى ليبيا حيث قدم اعتذاراً صريحاً عن استعمار إيطاليا لها، مع دعم بقيمة /5/ مليارات دولار على شكل مساعدات كتعويض عن تلك الفترة، سبق ذلك جولة لساركوزي على عرب إفريقيا وآسيا، أبرز ما فيها انعطافة حادة للسياسة الفرنسية تجاه سوريا، بعد فترة من القطعية والتوتر أعقبت اغتيال الرئيس الحريري.
لفهم طبيعة هذه التغيرات، أسبابها ودوافعها، أهدافها الحقيقة، يحضر أمامنا جملة من الأسئلة:
– هل سيكون لأنظمة الحكم القائمة دور وظيفي جديد، هذا ما سنكتشفه بعد قدوم الإدارة الأمريكية الجديدة والوزارة الإسرائيلية الجديدة.
– ماهو تأثير حرب القوقاز على الإصطفافات الإقليمية والدولية وبالتالي على الخارطة الجيوسياسية في المنطقة؟!.
– أما في عالم الاقتصاد والمصالح، نشهد صعودا متناميا لقوى دولية وإقليمية /روسيا، الهند، الصين، البرازيل، الخليج العربي/. ما هو تأثيرها أو دورها في السياسات الدولية؟.
وهنا علينا أن ندرك إن هذه المتغيرات في السياسة الدولية لا تخرج عن إطار الإستراتيجية العامة للدول الكبرى والتي تهدف إلى السيطرة على المنطقة من اجل ضمان مصالحها الجيوسياسية والنفطية "المادة التي تهم الأمن الدولي"، ويأتي في مقدمة هذه الدول أمريكا التي علينا أن لا ننسى إنها مازالت تقود العالم؟!، وان كانت تتعثر في قيادته، وتعيش فوق إمكاناتها الطبيعية.
***************
سوريا والمتغيرات الدولية
أين تقف سوريا في ظل هذا الواقع الجديد؟ والى أي حد ستتأثر أو تؤثر به؟ وهل سيكون التأثير عميقاً ومتبادلاً كما يعتقد البعض ويراهن عليه البعض الآخر؟؟! .
يكثر الحديث الآن عن تحولات أخذت طريقها إلى السياسة السورية،ويتجلى ذلك "بالدور الكبير" الذي لعبته في إنجاح اتفاق الدوحة،وفي تسهيل الانتخابات الرئاسية في لبنان،وفي إعلانها الرسمي عن المفاوضات السرية غير المباشرة مع العدو الإسرائيلي.
كل هذه الخطوات لاتعدو ان تكون امتدادا لسياسة سوريا قديمة، عمادها التفاوض والمساومة بل والتنازل في كل القضايا الإقليمية والدولية، مقابل ان يبقى الداخل أسير قبضتها تحكمه وتتحكم به وفقاً لمصالحها بما يخدم استمرار سلطتها. فعلى الصعيد اللبناني مايزال العقل السياسي للسطلة على حاله، وكأنه غير مصدق انه خرج من لبنان، وغير قادر على التعايش مع هذا الواقع الجديد الذي أعقب اغتيال الرئيس الحريري وخروج قواته الأمنية والعسكرية منه، فعين السلطة ماتزال صوب لبنان، وهي ترقب تطوراته، وتعمل على تعزيز حضورها ونفوذها فيه من خلال إستطالات أمنية وسياسية نمت وتورمت خلال فترة وجودها هناك، فنراها من خلال هذه الإستطالات تعمل على خلق بؤر توتر على الأرض /اجتياح بيروت والجبل، أحداث طرابلس…الخ/، وفي نفس الوقت تهول وتحذر من تنامي الأصولية والإرهاب في لبنان، ومخاطرهما على الأمن الوطني السوري، آملة من وراء ذلك أن يوكل لها دوراً إقليميا بهذا الشأن، أو تجعل منه مبرراً لتدخلاتها هناك، كما أن الحلف السورية الإيراني وامتداداته في المنطقة العربية مايزال عميقاً، بل هنالك إصرار من النظام السوري على إبرازه، تجلى ذلك بتصريحات الرئيس الأسد، التي توغل في ابعاد سوريا عن عمقها العربي. ولقد أصبح واضحاً أن النظام يتنازعه خياران في هذه اللحظة هما /الغرب – إيران/، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو عن مدى قدرته على السير في أي منهما؟!، فحتى لو تعايش المشروع الغربي مع المشروع الإيراني، فان إمكانيته الجمع بين الخيارين صعبة، إن لم نقل مستحيلة، وفي حال اختار احدهما فان الثمن سيكون مكلفاً ويشكل مغامرة خطرة بالنسبة له؟!، لذلك سيبقى يمارس سياسة الانتظار وشراء الوقت، ويعمل وهو يسير على الحواف الخطرة في مختلف السياسات الدولية والإقليمية.
تعتقد السلطة إنها في اطلاقها للمفاوضات مع العدو الإسرائيلي، أو في التلاق أو التجاوب مع اوربا الساركوزية قد حققت انجازاً كبيراً وإنها قوية إلى الحد الذي يجبر العالم على الأخذ بثوابتها، والمسالة ليست إلا مسالة وقت وترتيبات،وهنا يجب إلا يغيب عن بالنا ان هدف السلطة من اطلاق المفاوضات شيء والوصول إلى تسوية أو سلام شيء أخر، فكلا الطرفين المتصارعين غير قادر على دفع استحقاقات اية عملية سلام أو تسوية، ان لم نقل ان ليس من مصلحة أي منهما الوصول إلى ذلك.
**************
السلطة والداخل السوري
يشهد المجتمع السوري تحولات عميقة، وأزمات لم يسبق له ان عاشها /فقر،توترات،فساد هائل/،وهو ينام كل ليلة على انتصارات السلطة، ويفيق على الانكسارات والآلام،وعلى الحضور الثقيل لاجهزتها القمعية،فالفساد تعمق واستشرى وتعدى مرحلة انه يصيب مؤسسة أو قطاعاً اوشريحةً إلى ما هو أوسع أو اخطر من ذلك،لقد وصل إلى عمق المجتمع والى نسيجه العام،وأصبح يتدخل في صياغة سلوك الناس وخياراتهم،واخطر مافيه انه أصبح يفرز بين الناس قيمه السيئة والرخيصة،لتحل مكان القيم الخيرة والأصيلة لديه،لقد أصبح بالإمكان القول دون اية مواربة أو دوران ان الفساد يحكم سوريا،أو إنها سلطة الفساد بامتياز،وان كل ما يتم بنائه فيها من الاقتصاد إلى الأمن إلى السياسة لاهدف له إلا ضمان مصالح الطبقة السياسية الحاكمة التي أخذت تتاكل وتضيق إلى الحد الذي أصبحت فيه قلة تقبض على القرار السياسي وتدير خيرات البلاد وفق لمصالحها، وعلى قاعدة /من يحكم يملك/!.
إن حجم التضخم والبطالة في سوريا كبير وخطير، والقدرة الشرائية للمواطنين تتراجع سريعاً أمام الارتفاع الهائل بالأسعار،وهنالك شرائح واسعة من المجتمع تنزاح إلى ضفة الفقر والجوع،دون أية حلول تقدمها السلطة للخروج من هذه الأزمات المتراكمة،ولم يعد الفقر أو الفساد الدليلين الوحيدين على عمق الأزمة،بل شهد المجتمع بروزاً لأزمات لم تشهدها سوريا أو لم تكن بهذا العمق من قبل مثل /المياه – الكهرباء – الجفاف- الزراعة/، وقد أخذت تولد أزمات من رحمها جراء المعالجات الخاطئة لها أو التطنيش عليها، فاذا كانت موجة الجفاف والتغيرات المناخية التي ضربت المنطقة قد لعبت دوراً في وجود حالة الجفاف مثلاً، لكن جذور هذه الأزمة يمتد إلى ماهو ابعد من ذلك،والسنين السابقة كانت قد أشرت إلى ما نحن ذاهبون إليه، من نقص في المياه ومن جفاف، حين كانت موجات الغبار ورمال البادية تزحف إلى كافة المناطق الشرقية وتخرج في طريقها ارض شاسعة من دائرة الاستثمار والزراعة، وهذا لم يكن يحدث لولا السياسات الزراعية الخاطئة التي اعتمدت وما تزال قائمة، ولولا الاستثمار الجائر للمياه الجوفية، وفلاحة البادية واستثمارها من قبل أصحاب النفوذ،فآلاف الآبار تم حفرها بطرق غير شرعية من قبلهم دون مراعاة للمخزون المائي الجوفي في البادية ولآلاف الهكتارات من ارض البادية الرعوية التي تم تدمير غطائها النباتي، وادخلها في دائرة الصحراء، ولم يقتصر الأمر على ذلك،فقد خلق الجفاف في هذا العام إضافة إلى الفقر أزمات اجتماعية أخرى جراء الهجرات الداخلية الكبيرة لأبناء تلك المناطق إلى المناطق الأخرى بحثاً عن فرص العمل وعن الكلأ والماء للرعي، الأمر الذي اوجد أزمات ومشاكل اضافية في المناطق التي نزحوا إليها/سكن – فرص عمل – مياء /، ووصل الأمر احياناً إلى احتكاكات واحتقانات اجتماعية جديدة.
الاشد وقعاً على سوريا هو الحضور الثقيل لأجهزة قمع السلطة، وفائض القمع الذي يصيب المجتمع السوري على العموم، وقوى المعارضة السياسية وأصحاب الرأي فيه من مثقفين ومهتمين بالشان العام بشكل خاص، ان كافة التقارير الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان في سوريا والعالم، تؤكد أن وتيرة القمع وتدخل السلطة في كافة مناحي العامة والخاصة للناس إلى تزايد، وهي تنذر بالعودة إلى ماكان سائداً في ثمانينات القرن الماضي، فالاستدعاءات والمداهمات والمراقبة مستمرة، والأجهزة الأمنية تمارس أبشع أنواع التعذيب بحق المعتقلين السياسين والموقوفين كافة، إضافة إلى حجب مواقع المعارضة على شبكة الانترنت واعتقال المواطنين على خلفية كتاباتهم فيها، أو من جراء مكالماتهم الهاتفية الخاصة، ويأتي المرسوم 64/2008 ليطلق يد الأجهزة القمعية، ويمنع مسائلة أو محاكمة أفرادها أمام القضاء، وليشرعن بذلك لعنف السلطة، كل ذلك يدلل على ان هناك سعياً سلطوياً لاعادة سوريا إلى مملكة الصمت.
=========================
"نشرة الرأي – تشرين الأول2008 – العدد81"




















