كسرت مجموعة لقاءات علنية مفاجئة انعقدت في قصر بعبدا و"بيت الوسط"، فضلا عن مواقف بارزة لزعماء سياسيين أمس، رتابة الجمود الذي يغلف عملية تأليف الحكومة الجديدة، وبدت انعكاسا لدينامية متجددة يراد لها ان تقصّر أمد المراوحة في المشاورات التي بدا لوهلة أنها أصيبت بالعقم من جراء اصطدامها بدوامة الشروط والشروط المضادة.
ولعل اللافت في المشهد السياسي، كما ارتسم امس، أنه أبرز في الشكل "جبهة صمت" رسمية في مقابل "جبهة دفع" سياسية. فرئيس الوزراء المكلف سعد الحريري وجد بجانبه مساندين رئاسيين له في التزامه الكتمان الشديد هم رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الاعمال فؤاد السنيورة. أما في الجبهة السياسية الدافعة نحو تحريك عملية تأليف الحكومة، فبرزت مواقف لكل من الرئيس أمين الجميل والعماد ميشال عون ورئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط و"حزب الله" اكتسبت دلالات مهمة.
ومعلوم ان الرئيس سليمان يغادر بيروت في الرابعة والنصف بعد ظهر اليوم الى شرم الشيخ ليرئس وفد لبنان الى قمة دول عدم الانحياز التي تعقد يومي الاربعاء والخميس. ويتوقع ان تكون له لقاءات، على هامش القمة، أبرزها مع الرئيس المصري حسني مبارك.
وعشية سفره، استمرت الاوساط القريبة منه في التزامها الصمت والتكتم على المشاورات الجارية في شأن تأليف الحكومة. وأوحت أن كل ما ينقل عن الرئاسة الاولى في هذا الصدد ليس إلا مجرد فرضيات او توقعات.
والتقى الرئيس سليمان أمس تباعا، الرئيس بري والرئيس السنيورة وعرض مع كل منهما التحضيرات لمؤتمر قمة دول عدم الانحياز والاتصالات الجارية في ما يتعلق بتأليف الحكومة. واذ اكتفى بري اثر اللقاء بالقول "وتعاونوا على قضاء حوائجكم بالكتمان"، رفض الاجابة عن اسئلة وجهت اليه عن صحة المعلومات التي تربط بين تأليف الحكومة وصدور القرار الظني عن المحكمة الخاصة للبنان، وكذلك عما أوردته صحيفة "الوطن" السورية عن "أحداث كبيرة" قد لا تبقى معها عملية تأليف الحكومة أولوية.
أما السنيورة فرفض بدوره التطرق الى الاتصالات والمشاورات الجارية لتأليف الحكومة، مبديا ثقته بأن رئيس الوزراء المكلف "يولي الموضوع كل اهتمامه وكل خطوة يقوم بها تكون بعد دراسة وتأن ومتابعة من جميع المعنيين". وقال عن الحريري انه "صاحب صبر كبير ويبزني في ذلك".
في غضون ذلك، عقد الحريري لقاء مساء أمس مسع وفد من حزب الطاشناق ضم أمينه العام هوفيك ماخيتاريان والنائب أغوب بقرادونيان وصفت أجواؤه بأنها كانت ايجابية. وعكس بقرادونيان مناخ اللقاء بتأكيده استعداد رئيس الوزراء المكلف وقراره تأليف حكومة وحدة وطنية "وهذا ما كنا نطالب به دائما وهو ما سيمكننا من الخروج من الانقسام العمودي في البلاد". وأعلن ان كتلة نواب الارمن والطاشناق أكدتا الاستعداد للمشاركة في الحكومة "وهو حقنا". وأعرب عن اعتقاده أنه "خلال وقت ليس ببعيد نستطيع التوصل الى حل، وأن نبشّر المواطنين بأن الحكومة يمكن ان تشكل في وقت قريب".
ومع ذلك، فان مصادر نيابية وسياسية في الغالبية والمعارضة معنية بمواكبة المشاورات الحكومية أكدت لـ"النهار" أن أي جديد من شأنه ان يحمل على توقّع تبديلات ايجابية وشيكة في مسار عملية التأليف لم يطرأ بعد، وان ميزان المناخ السياسي لا يزال يؤشّر لعملية طويلة نسبياً. وفيما لمحت المصادر المعارضة الى انتظار "الترياق من الخارج"، لم تخفِ للمرة الأولى ان جهوداً ملموسة رصدت في الآونة الأخيرة للبننة الاستحقاق الحكومي، وهو ما ترحّب به المعارضة.
اما مصادر الغالبية فقالت ان المعارضة نفسها تعاني من اضطرابات الحسابات الخارجية وخصوصاً السورية وهو ما يفسّر توزع قواها حول مطالب وشعارات مختلفة وان يكن الثلث المعطّل يعتبر "مظلتها الاقليمية" في النهاية.
واختصر عضو "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب نواب الموسوي لـ"النهار" عملية تأليف الحكومة راهناً بعبارة "مكانك راوح". وعلم ان الموسوي كان لفت وزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنير لدى لقائهما الخميس الماضي الى تشديد معظم افرقاء الغالبية على رفض الثلث المعطل الذي يسميه "حزب الله"، "الضامن". وادرج موقف الغالبية في خانة "استفزاز قوى المعارضة مما يثير لديها الريبة والتوجس". وقال لكوشنير إن هذا الموقف "يصب في اطار الشروط المسبقة التي لا تسهّل مهمة الرئيس المكلف النائب سعد الحريري".
في المقابل، رد العماد عون أمس على منتقدي موقفه من اعتماد التمثيل النسبي في الحكومة، فأوضح ان النسبية هي "كلمة للمقارنة والقياس وليست موجودة في النص الدستوري". وأشار الى انه قصد بالنسبية ان تأخذ كل كتلة حجمها بعدد المقاعد و"انطلاقاً من هنا النسبية توفّر أوسع قاعدة حكم لرئيس الحكومة وكل قرار تتخذه الحكومة يكون الشعب بكامله وراءها ووراء رئيسها". وأضاف: "اننا نريد ان ندعم رئيس الحكومة لاننا نريده ان ينجح ولاننا نريد ان نعمّر بلدنا ونطمئنه".
غير أن الرئيس أمين الجميل اتهم المعارضة بـ"التعنت" وطالب رئيس الوزراء المكلف بان يعرض على المعارضة "حكومة منطقية، واذا لم تقبل فنحن مستعدون لان نتحمل مسؤولياتنا ونحكم". وقال: "فلتشكل حكومة وحدة وانفتاح ومن يود من المعارضة المشاركة اهلاً وسهلاً، ولكن لا يمكننا ترك البلد على هذا المنوال".
ودعا النائب جنبلاط الى العودة الى اتفاق الطائف "الذي يُرسي صيغة المشاركة في الحياة السياسية والسلطة ويتحدث عن العلاقات المميزة بين لبنان وسوريا على قاعدة عدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل من البلدين". وعن تأليف الحكومة قال: "حبذا لو تنخفض بعض الاصوات من المعارضة والموالاة التي تفرض الاملاءات على الرئيس المكلف وتبتدع الصيغ الحكومية، لانه ليس في حاجة الى مزايدات بقدر حاجته الى الدعم السياسي الفعلي من كل الاطراف لتسهيل عملية التأليف". وأكد ان لدى الرئيس المكلف "الحس الوطني الكافي والحرص التام على تقديم تشكيلة تلبي طموحات اللبنانين وتطلعاتهم".
"النهار"




















