أريد في البداية ان أضع عددا من التساؤلات الهامة، حول بعض التصورات الخاصة بمنظمات «الإرهاب».
فالردع من وجهة النظر الكلاسيكية التقليدية، سواء كان مواجها باتجاه تهديد معين قادم من قبل الخصم، باستخدام أدوات معينة، يمكن من خلالها استدراج إسرائيل إلى حرب مفتوحة، وجباية ثمن باهظ منها قد لا تقوى على تحمله في أي مواجهة محتملة ومتوقعة.
وهنا تبدو مسألة تفعيل السياسة الردعية الإسرائيلية باتجاه منظمات «الإرهاب» الأكثر قسوة وصعوبة، من بين باقي سلة التهديدات التي تحاول إسرائيل حصرها. وبالتالي فإن منظمة «الإرهاب» يبدو ردعها أكثر صعوبة من دولة نظامية، ليس فقط بسبب أن الدولة لها أهداف حساسة، ومصالح عديدة، يمكن أن تستهدف للمس بها، ومن خلالها يتم تصعيد الوضع، من قبل الدولة التي تفعل أسلوبها الردعي، والمقصود هنا إسرائيل، في حال تجاوزت الخطوط الحمراء المرسومة بينها وبين إسرائيل.
منظمات «الإرهاب» بطبعها منظمات سرية، ولذلك فهي تطلق عملياتها من واقع سري، بل شديد السرية، وبالتالي فإن الأهداف المرشحة لضربها، للتأثير على هذه المنظمات لا تبدو واضحة، كما هي الحال في الدول النظامية، ولا يبدو تشخيصها أمرا متاحا بنظر إسرائيل.
أكثر من ذلك، فإن «الإرهاب العالمي»، مثل المنظمات الجهادية، غير مبنية تنظيميا وهيكليا كما هي الحال لدى منظمتي «حزب الله» و«حماس».
فالشبكات «الإرهابية» المقصودة بالحديث هنا تتشكل أساسا من أبناء الجيل الثاني والثالث للمسلمين في بلاد الغرب، وهم باتوا يشكلون اليوم العصبة المركزية في دائرة «الإرهاب العالمي».
وهنا إذا أردنا بحث مسألة ردع المنظمات «الإرهابية» على سبيل المثال، فإن السؤال الأول الذي يجب أن يتبادر إلى أذهاننا هو: هل إن هذا الخصم، وهو في هذه الحالة منظمة «إرهابية»، يقيم حسابا للاعتبارات التقليدية التي تأخذها باقي الأطراف بعين الاعتبار؟
بمعنى آخر نطرح السؤال: هل أنه عدو تقليدي، يجب محاربته بتلك الوسائل التقليدية؟
حتى كتابة هذه السطور، فإن إسرائيل تعاملت بصعوبة بالغة في ردع المنظمات «الإرهابية»، من خلال ردع غير مباشر، من خلال تمركزها وملاحقتها في دول لها تأثير على تلك المنظمات «الإرهابية».
مزعمي الرئيسي في هذا المجال أن جميع المنظمات «الإرهابية» تقريبا في شكلها الحديث، باتت تشكل لإسرائيل تحديا جديا.
وبالتالي فقد جاء تطوير الأهداف الأيديولوجية، السياسية، والمصالح المباشرة، لهذه المنظمات كجزء من الاعتبارات الأساسية لجلب التأييد الداخلي لها في البلاد التي تنطلق منها، على أمل أن تحصل لاحقا على شرعية دولية لأعمالها.
أكثر من ذلك، فإن المنظمات «الإرهابية» تقوم أساسا على تحقيق أهداف محددة، تحقق لها الصيت العالمي، وهنا لابد من الإشارة إلى نقطة بالغة الأهمية تتلخص في أنه ليست المنظمات «الإرهابية» فقط هي التي تعمل وفق اعتبارات دولية، بل إن هناك جهات تعمل باسم الدين، مثل منظمات الجهاد العالمي، يقيمون اعتبارات هامة للمعايير الدولية، ويحاولون إدخالها ضمن حساباتهم الداخلية.
حسب تقديري، فإن التهديد الذي باتت تشكله منظمات الجهاد العالمي فاقت خطورته الكثير من التهديدات منذ انتهاء الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن العشرين.
ففي حين وقف الاتحاد السوفياتي في مواجهة الولايات المتحدة، كان لكل منهما ترسانة عسكرية تسليحية هائلة تمثلت في مئات الصواريخ النووية، بحيث يستطيع كل منهما تدمير الكرة الأرضية، عدة مرات وليس مرة واحدة.
وفي حين يقف في مواجهتك خصم عنيد يفكر بذات الطرق والأساليب التفكيرية التي تفكر فيها أنت، والمقصود هنا إسرائيل، يبرز إلى السطح سؤال هام: هل من الممكن إجراء نقاش وتفاوض جدي مع هذا الخصم؟ أم إن الاكتفاء بالصيغ التقليدية هو الحل للتعامل مع هذه المنظمات، وأقصد هنا: تهديدها، ردعها، التنازل أمامها، والوصول معها إلى اتفاق ما.
وفي حالة كان هذا الخصم يختلف في تفكيره عن طريقة تفكير إسرائيل، بسبب اختلاف المعايير بين الجانبين، سيبدو من الصعب جدا إجراء مفاوضات معه، وتهديده، وردعه، والوصول معه إلى اتفاقات ما.
حسب رأيي، فإن معظم أعدائنا، نحن في إسرائيل، يقيمون حسابات لتلك المعايير، السؤال هنا: هل أننا نحن مدربون بما فيه الكفاية لفهم هؤلاء الأعداء؟
[ مساعد رئيس الكلية الأكاديمية لإدارة الحكم
"السفير"






