لم يكن إضراب سائقي الباصات العامة العاملين في هيئة النقل العام في القاهرة أول من مساء ولن يكون الأخير، فثقافة الإضرابات والاحتجاجات على الأوضاع المعيشية السيئة انتشرت في مصر خلال السنوات الأخيرة، بعدما صارت كل فئة تعتقد بان الحصول على الحقوق المادية لن يتم إلا بتصعيد الاحتجاجات، وأن الاعتماد على «كرم» الحكومة وحده لا يكفي، وأن انتظار سياسات رشيدة لن يؤدي إلا إلى الجوع. ولا تخفي الحكومة المصرية خططها في تطبيق الاقتصاد الحر، ويؤكد المسؤولون فيها دائماً أنه لولا برنامج الإصلاح الاقتصادي لكانت الأحوال وصلت إلى مراحل سيئة تفوق ما عليه الآن، وأن المواطن البسيط الذي يدفع ثمن سياسات الإصلاح كان سيدفع أثماناً باهظة لا يمكنه تحملها لو لم تطبق الحكومة سياسة التحرر الاقتصادي. لكن الخبراء الذين ينظّرون ويدرسون ويقترحون الحلول وينتقدون السياسات الحكومية، وكذلك المواطنون الذين تأثروا بها، يستغربون الإصرار على تطبيق وجه واحد من الليبرالية الذي يقوم على تحرر الاقتصاد والتخلص من الأعباء التي تتكبدها الشركات الحكومية الخاسرة فيتم بيعها وتخصيصها، أو وقف التعيين في الوظائف العامة إلا وفقاً للحاجات الحقيقية، وطرح السلع بأسعارها وتخفيض قيمة الدعم وقصره على السلع الاستراتيجية كالخبز والبنزين، من دون أن تطبق الحكومة الوجه الآخر لليبرالية المتمثل في صرف إعانات لضحايا البطالة ومحاربة الاحتكار الذي تمارسه بعض الشركات والمصانع وضبط المنافسة بين منتجي المواد الغذائية وتجارها وضمان تأمين صحي للمواطنين الذين صاروا لا يستطيعون الانفاق على العلاج سواء في المستشفيات الخاصة أو حتى الحكومية.
وعلى ذلك فإن إقدام قلة من العمال أو المواطنين على تنظيم إضراب أو تظاهرة أو الاعتصام أمام مقر وزارة أو هيئة عامة أو نقابة ستظل أموراً من بين مفردات المشهد المصري تضاف إلى معاناة ضحايا بعض السياسات التي لا يمكن أن ينتج عنها إلا الإضرار بمصالحهم، كالعاملين في الشركات أو المصانع التي يتم بيعها للمستثمرين، وموظفي الدولة الذين يعانون كل فترة نزع ميزة مالية يحصلون عليها لأسباب يعتبرونها واهية، أو لجوء بعض المستثمرين إلى التخلص من العمال والموظفين.
بالأمس كان سائقو الباصات العامة، وقبلهم سائقو القطارات، وغداً فئة جديدة سوف تقدم على الأسلوب نفسه من دون أن تدري الحكومة أن مستوى الرواتب صار لا يكفي مطالب الحياة وضروراتها وأن «للصبر حدودا».
صحيح أن ثقافة الإضرابات لم تترسخ بعد لدى المضربين أنفسهم ولدى الأجهزة الحكومية في آن. وأن غالبية مظاهر الاحتجاج تتم بصور عشوائية لكن الأكيد أن تلك العشوائية أخطر من أسلوب الإضرابات المنظمة، خصوصاً بعدما صار الاعتقاد سائداً بأن الموظف أو العامل لا ينال حقه إلا بعد أن تضطر الأجهزة الحكومية إلى منحه هذا الحق، وبعدما يمارس «التجريس» ويفضح الحكومة في برامج الفضائيات والصحف.
كما أن ذلك المواطن يرى على الفضائيات نفسها والصحف ذاتها تقارير وأخباراً عن أصحاب النفوذ والمال والسلطة الذين يحصلون على ما لا يستحقونه، فيزداد يقينه، ليس فقط أنه لا يحصل على حقوقه، وإنما بأن الحكومة تمنح حقوقه لآخرين يعيشون في الوطن نفسه ولا يتظاهرون ولا يعتصمون ولا يحتجون لأنهم يعتبرون أن تلك أساليب العاجزين وهم لا يعجزون عن تحقيق ما يريدون وينالون ما يستحقون… وما لا يستحقون.
"الحياة"






