أثار استقبال الابطال الذي لقيه الليبي عبدالباسط المقرحي المدان بتفجير لوكربي عام 1988، في مطار طرابلس، تنديداً غربياً واسعاً، إذ وصفته واشنطن بأنه "بغيض ومقزز"، كما انتقدته بريطانيا التي سعت الى ان تنأى بنفسها عن قرار الحكومة الاسكوتلندية الافراج عنه، ورأت باريس إنه "يجرح" مشاعر عائلات الضحايا.
وحكم على المقرحي بالسجن المؤبد شرط ألا تقل العقوبة عن 27 سنة بعد ادانته بتفجير طائرة "بوينغ 747 " تابعة لشركة "بان اميركان" في 21 كانون الاول 1988 فوق لوكربي في اسكوتلندا، مما أدى الى مقتل 270 شخصاً, غالبيتهم من الاميركيين. وعلى رغم المعارضة الشديدة لواشنطن، قرر القضاء الاسكوتلندي الخميس الافراج عنه لاسباب إنسانية والسماح له بالعودة الى بلاده "لتمضية ايامه الاخيرة هناك… لكونه يعاني مرحلة نهائية من سرطان البروستات".
ومع ان واشنطن ولندن حذرتا طرابلس من عواقب ديبلوماسية خطيرة إذا لقي المقرحي استقبال الابطال، كان في استقباله في مطار طرابلس أكثر من ألف شاب هتفوا ولوحوا بالاعلام مع تحرك سيارته بعيداً. وبث التلفزيون البريطاني مشاهد لشبان يلوحون بالاعلام الاسكوتلندية ذات اللونين الازرق والابيض.
وفيما أبقت طرابلس بعيداً من الاضواء أمس، خوفاً على ما يبدو من الحاق الاذى بعلاقاتها المتحسنة مع الغرب، ندد الرئيس الاميركي باراك اوباما بالاستقبال الذي لقيه المقرحي، واصفاً اياه بانه "بغيض".
وصرح الناطق باسم البيت الابيض روبرت غيبس بأن "الصور التي شاهدناها في ليبيا امس (الخميس) مشينة ومقززة"، في اشارة الى صور مئات الناس يلوحون بالاعلام لدى وصول المقرحي الى طرابلس. وقال للصحافيين: "اتصلنا بالحكومة الليبية، ونواصل مراقبة ما سيفعلونه في الايام المقبلة في شأن هذا الشخص، ونعتبر الفيديو الذي شاهدتموه أمس مسيئاً للغاية الى من فقدوا عزيزاً عليهم عام 1988". وأضاف: "نواصل الاعراب عن تعازينا للعائلات التي فقدت أعزاءها من جراء هذه الجريمة الارهابية". إلا انه رفض الرد على سؤال عن مدى تأثير هذا الامر على العلاقات بين طرابلس وواشنطن.
ولاحظ الناطق الاخر باسم البيت الابيض بيل برتون أنه "من المثير للاستياء رؤية الصور التي تظهر ان المقرحي حظي باستقبال الابطال بدل أن يعامل كقاتل مدان… وكما قلنا للحكومة الليبية، فان هذا الاستقبال يبعث برسالة خاطئة ومسيئة للغاية الى عائلات المئات ممن فقدوا حياتهم في تفجير لوكربي".
لندن
وفي لندن، نفت الحكومة البريطانية التلميحات الى أنها دعمت قرار الافراج عن المقرحي لحماية اتفاقاتها التجارية المربحة مع ليبيا.
فقد كشف مكتب رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون ان الاخير بعث برسالة الى الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي يحض فيها بلاده على "التصرف بحساسية"، بعد عودة المقرحي.
وفي الرسالة التي سلمها السفير البريطاني في ليبيا الى القذافي، أوضح براون أن قرار الافراج عن المقرحي اتخذته الحكومة الاسكوتلندية التي تتمتع بحكم شبه ذاتي، وحضه على مراعاة الحساسية في رد فعل السلطات الليبية على عودته.
وردد وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند الانتقادات الاميركية بان مشهد المئات يرحبون بطائرة المقرحي كان "مزعجا ومسيئا للغاية". إلا أنه رفض أن يوضح موقف لندن من قرار وزير العدل الاسكوتلندي كيني ماك اسكيل الافراج عن المدان الليبي، مكتفياً بأن "استقبال شخص ارتكب قتلاً جماعياً كبطل في طرابلس يثير القلق والاستياء البالغين"، وأن الافراج عنه يعود برمته الى وزير العدل الاسكوتلندي، "ولم يكن من الوارد ان نتدخل في الملف من قبل، ولن نتدخل الآن". لكنه نفى أي تلميح الى أن لندن كانت راغبة في ارسال المقرحي الى بلاده لتسهيل العلاقات التجارية مع ليبيا التي تمتلك واحدا من اكبر الاحتياطات النفطية المثبتة في افريقيا.
ويشار الى أن عقود تنقيب مهمة وقعت مع شركات بريطانية خلال السنوات الاخيرة. وقال ميليباند: "ارفض ذلك تماما. هذا افتراء علي شخصيا وعلى الحكومة… لقد كنا صادقين حين قلنا إن هذا القرار يجب ان تتخذه السلطات الاسكوتلندية، وكنا صادقين حين قلنا ذلك لليبيين، وكنا صادقين حين قلنا ذلك للاميركيين". ورحب بتحسن العلاقات مع ليبيا في السنوات الاخيرة، مؤكداً ان لندن لم تمارس اي ضغط على اسكوتلندا.
وتحكم اسكوتلندا ادارة تتمتع بحكم شبه ذاتي تتخذ القرارات في معظم القضايا، بينها القضاء ولكن ليس الشؤون الخارجية، بالاستقلال عن حكومة لندن.
وعبّرت الصحف البريطانية عن استيائها من الافراج عن المقرحي. و كتبت صحيفة "الدايلي ميل" ان اطلاقه لن يسمح بالرد على التساؤلات عن مسؤوليته او مشاركة، اشخاص آخرين في الاعتداء، كما ان عائلات الضحايا "لن تعرف الحقيقة قط". وخصت رئيس الوزراء السابق طوني بلير بالانتقادات لعقده اتفاقاً لتبادل السجناء مع الزعيم الليبي. وقالت: "غوردون براون الذي عقد اجتماعا مع الطاغية أخيرا، هو متورط في ذلك حتى النخاع، بينما غسل وزير الخارجية ديفيد ميليباند يديه من القضية باكملها". الى ذلك، بثت هيئة الاذاعة البريطانية "بى بي سي" ان زيارة دوق يورك الامير أندرو لليبيا التي كانت مقررة مطلع أيلول، يعاد النظر فيها بعد الاستقبال الحاشد للمقرحي.
باريس
وفي باريس، صرح الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية اريك شوفالييه بان الاستقبال الذي حظي به المقرحي في طرابلس "يجرح "مشاعر عائلات الضحايا". وقال: "نحن معنيون بالطبع بمشاعر عائلات الضحايا، لا شك في أن الاستقبال الذي خصص للمقرحي جرح مشاعرهم". اما في ما يتعلق باطلاقه، فقد اعتبر ان "هذا القرار يعود الى القضاء الاسكوتلندي".
(و ص ف، رويترز، أب، ي ب أ)






