يواجه الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعد المؤتمر السادس لحركة "فتح" وانتخاب لجنة مركزية للحركة ثلاث مهمات مركزية، هي:
الاولى: ترميم اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية خلال الايام القليلة المقبلة في جلسة للمجلس الوطني الفلسطيني يدعى اليها لهذا الغرض بالذات، وهي لا تحتاج الى نصاب بحسب القانون الاساسي للمنظمة، ومن المتوقع ان يتم اختيار اعضاء جدد في اللجنة التنفيذية بينهم ممثلون لفصائل فلسطينية استبدلتهم بممثلين توفوا: عبد الرحيم ملوح بدل ابو علي مصطفى من "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، وحنا عميرة بدل سليمان النجاب من حزب الشعب، واحمد مجدلاني بدل سمير غوشة من "جبهة النضال الشعبي الفلسطيني"، واميل جرجوعي من القدس (مسيحي). لكن الاكثر اثارة للجدل هو استبدال حصة "فتح" في اللجنة التنفيذية التي كان يشغلها الرئيس الراحل ياسر عرفات والرئيس الحالي عباس ورئيس الدائرة السياسية فاروق قدومي ورئيس دائرة شؤون القدس فيصل الحسيني. وثمة نية غير مؤكدة لتعيين احمد قريع في منصب امانة سر المنظمة (وهو منصب لـ"فتح في المنظمة احتله ياسر عبد ربه بعد افتراق سياسي بين القدومي وعباس).
واذا ما تمكن عباس من ملء شواغر حصة "فتح" من دون اثارة خلافات واسعة يكون مؤتمر "فتح" السادس قد اعاد الى الحركة بعضا من وحدتها التنظيمية ونحا جانبا خلافات منشأها التنوع والشخصنة والتنافس على مغانم وامتيازات لا على خيارات سياسية، مع ان الخلافات السياسية بين الفلسطينيين لم تعد واسعة حتى بين "فتح" وحركة المقاومة الاسلامية "حماس" حيال حل الدولتين واساليب الكفاح. اذ بعيدا من الشعارات لا تمارس اليوم "حماس" أي نوع من الكفاح يختلف عما تمارسه "فتح" (تهدئة وانضباط، تعزيز الامن في مواقع سيطرة كل منهما، وابتعاد عن التطرف والتشدد بما فيه الاسلامي كتصفية عبد الحليم موسى في رفح قبل اسبوع). ولا تختلف اليوم "حماس" عن "فتح" الا بحصص لكل منهما، وهو خلاف على السلطة اكثر من كونه خلافا على موضوعات سياسية.
لذا فان خلافات تثيرها "حماس "حيال "المقاومة" لم يعد لها معنى سياسي، ولا تعدو كونها اشارة سياسية ما لهذا الميل او ذاك. وهناك اليوم ادارك متزايد داخل "حماس" لضرورة انهاء الانقسام وصوغ علاقات شركة سياسية مع "فتح" وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية من غير ان يعني ذلك ان الحركة قريبة من الموافقة على انهاء الانقسام. فثمة اسباب اقليمية قوية وراء تشدد الحركة عموما ومنعها من التقدم نحو الوحدة والمصالحة.
وبخلاف ترميم المجلس الوطني ومجمل البنية التنظيمية للمنظمة لا يحتاج ترميم الاخيرة الى معارك سياسية كبيرة. لذا لجأ عباس الى هذا الامر خطوة اولى لترجمة "فتح" بعد مؤتمرها السادس في الرابع من الشهر الجاري. ومن شان نجاح هذه الخطوة ان يعزز شرعية القرارات السياسية التي تتخذها اللجنة التنفيذية للمنظمة باعتبارها اعلى مرجعية سياسية وقانونية للشعب الفلسطيني وللسلطة الفلسطينية من دون ان يعني عدم موافقة "حماس" على ذلك لانها تحدد موقفها من شرعية المنظمة بمقدار حصتها التي يتفق في شأنها مع "فتح" والفصائل الفلسطينية الاخرى. ومن هنا لا معنى قانونيا لاي اعتراض من "حماس" على تشكيلة اللجنة التنفيذية ومنظمة التحرير الفلسطينية قبل ان تصير عضوا فيها، علماً مع ان لمعارضتها السياسية اثراً كبيراً على مجمل الحياة السياسية للفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها.
والمهمة الثانية: ترميم النظام السياسي الفلسطيني من بوابة الحوار الفلسطيني الداخلي برعاية مصرية. وقد ازعج المصريين اعلان موعد انعقاد المجلس الوطني في السادس والعشرين من الشهر الجاري أي بعد يوم من الموعد المقرر لمعاودة حوار القاهرة، وسارعوا الى رام الله ودمشق ليستمعوا الى مبررات ارجاء جلسة الحوار الى ما بعد عيد الفطر وامكان عقد جلسة ولو بروتوكولية خلال هذا الشهر او مطلع الشهر المقبل. وبحسب وسطاء ومبادرات اهلية فلسطينية لمعاودة الحوار ثمة قبول فلسطيني عام من الجانبين لابداء مرونة والتوصل قريبا الى اتفاق لان المسافة بين مواقف "فتح" و"حماس" في قضايا الامن متباعدة وكذلك بالنسبة الى قانون الانتخابات، وتأليف حكومة. ولهذا يتردد نقلا عن المصريين ان الاقتراح العملي الوحيد اليوم هو اجراء انتخابات عامة في موعدها الدستوري. و"حماس" لا تريد اجراء انتخابات الان قبل التوافق على ذلك وقبل حصولها على ضمانات بانها جزء من النظام السياسي العام. وعلمت "النهار" من مصادر فلسطينية رفيعة ان حركة "حماس" قبلت من حيث المبدأ ان "تلتزم أي حكومة تشارك فيها "حماس" القانون الفلسطيني والشرعية الدولية"، وانها مع يأسها من انفتاح دولي عليها باتت مقتنعة بان كل الاوراق التي لديها لم تفك حصارا ولم تفتح معبرا ولم تعاود بناء بيت واحد في قطاع غزة، وان ثمة شعوراً متزايداً بانسداد في اساليب عمل الحركة السياسية مع نجاحاتها الامنية وضبط ايقاع المجتمع الفلسطيني في غزة على اجندتها. وهذا الشعور يدفع الحركة او هو دفعها الى ابداء مزيد من المرونة في الحوار مع مصر والاستعداد لانفتاح اوسع على مطالب "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية لدى اتجاه يقوده نائب رئيس المكتب السياسي محمود ابو مرزوق من دون ان يعني ذلك وجود انشقاقات.
والمهمة الثالثة امام عباس هي الاستعداد لمواجهة الخطة الاميركية المفترضة لانهاء الاحتلال الاسرائيلي واقامة دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران مع تعديلات حدودية طفيفة وبشروط يجري التفاوض في شأنها علنا في المواقف المعلنة للافرقاء في وسائل الاعلام وسرا في مسارات تفاوضية غير رسمية.
ومن الاهمية بمكان الاشارة الى استقبال الرئيس الفلسطيني في مكتبه في رام الله الجمعة رئيس معهد بيكر للسلام ومساعد وزير الخارجية الاميركي سابقا ادوارد دجيرجيان الذي يتولى ادارة مسار تفاوضي ثانوي غير رسمي بين فلسطينيين واسرائيليين برعاية سويسرية. ويتعاون دجيرجيان مع المبعوث الاميركي الخاص الى الشرق الاوسط جوج ميتشل قبل عرض خطة سلام اميركية على الفلسطينيين والاسرائيليين جزءاً من سلام اقليمي ومع مفاوضين اسرائيليين من وزن جلعاد شير الذي كان المفاوض الرئيسي في كمب ديفيد. وثمة معلومات فلسطينية مفادها ان وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك يقف خلف هذا الاتجاه. وقد بحث عباس هاتفيا الجمعة مع ميتشل خطواته اللاحقة حيال معاودة عملية سلام بعد عرض واشنطن خطة رسمية للحل قريبا. ويحاول دجيرجيان عرض تسوية في موضوع قيمة التبادل للاراضي المقترحة مع اصرار الفلسطينيين على عرض مساحة "واحد وتسعة اعشار في المئة"، فيما يعرض الاسرائيليون قيماً متغيرة من النسبة الرسمية 7,1 (سبعة وعشر في المئة) التي عرضها رئيس الوزراء الاسرائيلي سابقا ايهود اولمرت وتراجع مفاوضوه الى عرض نسبة 4,5 – 3٫5 في المئة. ويقترح الفلسطينيون تبادلا بين المكان والزمان، فلديهم استعداد لأن يأخذوا موقفاً بان مصير الاراضي المقترحة هي لهم في الحل النهائي في مقابل تأجيل اخلائها مدة تراوح بين 5 و 10 سنين. ويدور الحديث عن مستوطنات في محيط القدس (معاليه ادوميم، جفعات زئيف، جبل ابو غنيم، افرات).
هذا الجهد الذي يقوده دجيرجيان يهدف الى الاتفاق على الحدود والاراضي قبل البدء بمحادثات ثنائية واقليمية رسمية. وهي فرضية مثيرة للانطباع اميركيا وكانت اقترحتها وزيرة الخارجية الاميركية السابقة كوندوليزا رايس، ويحاول دجيرجيان وميتشل ان يحصلا على مقابل عربي في حال فشل الاميركيين في اقناع تل ابيب بوقف الاستيطان.
ومساعي دجيرجيان جديرة بالانتباه لانها ترتبط بعلاقة تشبيك مع محاولات ميتشل ومع صورة الخطة الاميركية المتوقعة واستنادها الى تفاهمات انابوليس، وبعض عناصر مبادرة جنيف، وعناصر خلاقة جديدة يمكنها اذا نجحت ان تخط مسارا تفاوضيا حقيقيا، خصوصا اذا امكن دجيرجيان اقناع الفلسطينيين والاسرائيليين الذين يفاوضهم بتقسيم منطقة الخلاف بينهما على الاراضي المقترحة للتبادل في أي خطة حل نهائي. وقد كان للقاء عباس – دجيرجيان اهمية لان الاخير حصل على تشجيع من الرئيس الفلسطيني وعلى مواصلة العمل مع مفاوضين فلسطينيين غير رسميين من طواقم المفاوضات الفنية ومن اصحاب الاختصاص.
هذه المهمات الثلاث يحاول عباس من خلالها ان يخط طريقا جديدا للعمل السياسي الفلسطيني بعد نجاحات لاباس بها في الاقتصاد والامن في الضفة الغربية قامت بها حكومة سلامة فياض.
عباس يستعد لملاقاة الاسرائيليين على قاعدة تأييد رئاسي اميركي لمواقفه من قضايا انهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية من دون ان يعني ذلك ان السياسات الاميركية تحولت تماما في السياسة الخارجية. وهو كان في حاجة ملحة الى ترتيب بيته وقد قطع شوطا وبقيت عقد ليست سهلة في طريقه لكنه طريق شقه بقوة ولا تراجع فيه.
رام الله – من محمد هواش
"النهار"






