الحراك السياسي المتنامي الذي تشهده العلاقات السودانية ـ الأميركية يعبر عن وجود حالة صحية وخاصة على الصعيد الأميركي في إطار عمليات تصحيح المسار السياسي للولايات المتحدة والذي أعلنته إدارة الرئيس باراك أوباما باعتماد الخيار الدبلوماسي كوسيلة للتعامل مع القضايا الدولية التي ترتبط بها مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، وتعيين مبعوث أميركي خاص إلى السودان.
وقد شهد هذا الحراك سلسلة لقاءات كان أبرزها لقاء المبعوث الأميركي للسودان سكوت جريشن مع الفصائل المتمردة في إقليم دارفور في أديس أبابا من أجل تقريب وجهات النظر لدى الفصائل المتمردة وجمعها على موقف موحد، ثم الاجتماع الرباعي الذي جمع السودان ومصر وليبيا وأميركا والذي دعت إليه القاهرة، ومن شأن هذه اللقاءات أن ترسي الأرضية المناسبة لإنجاح جولة المفاوضات القادمة والاتفاق الأخير بين الفصائل الدارفورية في الدوحة.
ما يجب أن تدركه الولايات المتحدة أن السودان بحاجة ماسة إلى الخطوة المكملة لهذه الجهود وهي رفع العقوبات الأميركية عنه بشكل كامل وليس جزئيًّا، خاصة وأن المبعوث الأميركي للسودان برأ الخرطوم من كل ما تم اختلاقه وزعمه ضدها من اتهامات، ودائمًا يقال "إن من رأى ليس كمن سمع"، فقد جال سكوت جريشن كثيرًا في المناطق السودانية محل الاتهام والنقاش، ورأى بأم عينه ما تقوم به الحكومة السودانية من مساعٍ لإحلال السلام وتوطيد الأوضاع، وبالتالي لم يكن في وسع جريشن أن يناقض الواقع ولم يكن أمامه سوى النطق بكلمة الحق، مُسقِطًا بها جميع المبررات والذرائع الواهية التي فرضت بلاده على أساسها العقوبات الظالمة؛ لأن رفع العقوبات سيعزز عمليات التنمية التي بلا شك ستخدم جهود إحلال السلام وسينعكس ذلك إيجابًا على الأوضاع المأساوية.
إذ سيتيح إمكان إقامة بنية أساسية متكاملة سواء على صعيد النقل والاتصالات أو الزراعة والتجارة وتطوير عمليات الإنتاج، ما سيفتح مجالات الاستثمار وتوفير فرص عمل، وسيمكن الحكومة السودانية من استقدام المستلزمات والأدوات اللازمة لإقامة أماكن الإيواء لآلاف النازحين، وتوصيل عمليات المساعدة الإنسانية لهم.
كما أن قيام واشنطن بمنع الدعم للمتمردين والطلب من حلفائها أيضًا الامتناع عن تقديمه، مطلب مهم في هذا الإطار لإحلال السلام الشامل في السودان من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه ومن أقصى شرقه إلى أقصى غربه، وعدم تغذية نزعات الانفصال لدى الجنوبيين لأنه سيشجع الفصائل الدارفورية المتمردة على السعي إلى الانفصال، والاقتناع وإقناع الحلفاء بأن تحقيق المصالح لن يكون على حساب تمزيق السودان وتوتير الأجواء وإيقاد جذوة الصراع وتعزيز نزعة الانفصال.
إن الدور الذي تقوم به كل من مصر وليبيا في إطار مبادرة جامعة الدول العربية التي تجمع بين دول عربية وإفريقية لإنهاء أزمة دارفور دور مهم ينبغي أن تتضافر معه جهود كافة الدول العربية والإفريقية، وعدم النظر إليه من زاوية أن هاتين الدولتين تتقاسمان الحدود مع السودان، وإنما النظر من زاوية أن استقرار الوطن العربي والقارة الإفريقية مرتبط باستقرار السودان.
من المؤكد أن الحكومة السودانية تعي تمامًا أهمية إحلال السلام الشامل بدليل توقيعها اتفاقيات نيفاشا وجوبا والدوحة، ولذلك فإن أي عمليات تشكيك من قبل أطراف سودانية معارضة أو جهات خارجية لها أطماعها الخاصة، في النوايا الحسنة للحكومة غير صحيحة ومنافية للواقع، وإنما هي من قبيل إبقاء السودان في دائرة الصراع وخدمة المشاريع الاستعمارية فيه.
الوطن






