المواجهة الأخيرة بين حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” وفصائل وقوى فلسطينية و”حزب الله” في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلتين والداخل الإسرائيلي، وبين إسرائيل، انتهت لمصلحة الفريق الأول ومحاولاته فرض معادلات ردع جديدة.
خلال العقود الماضية، كانت معادلة الردع الإسرائيلية قائمة على مبدأ “كي الوعي”، أي رد الفعل غير المتكافئ على أي هجوم داخل الأراضي الإسرائيلية، أكان مصدره قطاع غزة أو القدس الشرقية المحتلة أو الداخل اللبناني. حرب عام 2006 كانت ضمن ذلك المبدأ، أن ترد إسرائيل بحرب شاملة وحصار لكامل البلد على عملية محدودة استهدفت أسر عناصر في الجيش الإسرائيلي لاستبدالهم بأسرى لبنانيين. لم يكن الرد الإسرائيلي خارج سياق عقيدة الردع التي وضعها مؤسس الدولة رئيس الوزراء السابق ديفيد بن غوريون الذي يُنقل عنه مقولة “لو هاجمونا مستقبلاً، نريد أن تقع الحرب لا على أرضنا بل في أراضي العدو، وأن نُهاجم لا أن نُدافع”.
لكن ما حصل في المواجهة الأخيرة، كان على النقيض تماماً من هذه المعادلة. لا تُواجه إسرائيل اعتداءات من مجموعة جبهات خارجية فحسب، بل أيضاً هناك قصف من قطاع غزة، ومواجهة مع الاحتلال في القدس الشرقية والضفة الغربية وكذلك من المواطنين العرب في الداخل الإسرائيلي.
لكن هذه المعادلة الجديدة لا ترسو على قواعد ثابتة.
معادلة الردع الإسرائيلية عام 2006 كانت قائمة على أسس التفوق العسكري، وهذا يتطلب استثماراً طائلاً تتيحه الموارد والتطور التقني، وعلى الدعم الخارجي (غربي بالأساس ولكن انضمت اليه قوى أخرى الآن)، وعلى القدرة على استقطاب الداخل الإسرائيلي، والمجتمعات الداعمة له بالخارج. عملياً، رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو ورفضه لأي عملية تفاوضية مع الجانب الفلسطيني، وأخيراً تحالفه مع قوى اليمين المتطرف، قوّض ليس فقط علاقاته الخارجية الغربية والعربية المستجدة، بل أيضاً القدرة على استقطاب يهود الخارج الذين بات جزءاً مهماً منهم إما مؤيداً لانهاء الاحتلال، أو يربط بين اليمين في إسرائيل، وبين القوى العنصرية والمعادية للسامية الصاعدة في الغرب. وهذه الريبة والقلق لبعض يهود الخارج على مستقبل إسرائيل وهويتها، ينسحبان على انقسامات الداخل الإسرائيلي أيضاً، والتي تتجاوز عنوان التعديلات القضائية المطروحة على الطاولة.
لكن في المقابل، ليست قوى المحور المقابل في أحسن حال، ولا تملك عناصر القوة الإسرائيلية عام 2006. لم تنتج هذه القوى اقتصادات قابلة للحياة، وتعمل في مجتمعات مترهلة نتيجة الصراعات والارهاق الاقتصادي المتواصل. عملياً لا ترسو قواعد الردع الجديد على ثوابت في المنطقة. حتى الاتفاق السعودي-الإيراني الذي يُؤسس لإطفاء النزاع السني-الشيعي في المنطقة، أطلق عمليات سلمية تحتاج الى خطوات متعددة، وقد تتعرض للتخريب في أي لحظة مستقبلية. ليست عملية مضمونة النتائج، سيما أن المخربين الرافضين لهذه المقاربة كُثر.
على مستوى الداخل في هذه البلدان، هناك حركات احتجاجية في ايران والعراق على الأقل، رافضة لهذه القوى وسياساتها، علاوة على دور صيني يميل لمصلحة إرساء الاستقرار وخفض كلفة الطاقة كونه أحد أبرز المستوردين لها من المنطقة.
صحيح أن قوى هذا المحور تمكنت من بناء بعض القدرات العسكرية مثل المسيّرات والصواريخ المحددة، وتُحاول في مجالات جديدة وتحديداً الدفاع الجوي، إلا أن مواصلة التطور في هذا المجال ليست مضمونة في ظل غياب أنظمة تعليم متطورة واستقرار بالحد الأدنى. عناصر الديمومة غير متوافرة، واحتمالات الانفجار المحلي وافرة.
لهذا علينا النظر الى هذا التقدم الحاصل اليوم بصفته مرحلة موقتة، من الصعب البناء عليها مستقبلاً، بل الأرجح أن تفتح العملية السياسة في الداخل الإسرائيلي باباً للتعافي الداخلي يُتيح إعادة التفاوض حول معادلات الردع.
أي محاولات لفرض واقع جديد في المنطقة من دون أخذ الاقتصاد والنمو والتنمية في الاعتبار، موقتة، ولن تنتهي سوى بخيبات مستقبلية حين يفرض توازن القوى إعادة تعريف أخرى لمعادلات الردع على حساب الاستقرار.
“المدن”


























