تقوم الجماعة الجهادية “هيئة تحرير الشام” بإصدار ملخصات متفائلة عبر الإنترنت حول مختلف المناطق الخاضعة لسيطرتها، وتهدف على ما يبدو إلى توحيد السكان في شمال غرب سورية وتلطيف صورتها في الخارج.
- * *
في السنوات الأخيرة، حاولت مجموعة “هيئة تحرير الشام” تطوير نظام حكم خاص بها. إلا أن هذه العملية لم تكن خطية متسلسلة ونضجت تدريجياً مع مرور الوقت. مع ذلك، وبعيداً عن مسائل الحكم، يتطلب جزء مهم من بناء الدولة إنشاء سردية تقوم على كتابة تاريخ خاص بشعب ما وتكوين ذاكرته الجماعية. وكما قال بينيدكت أندرسون في كتابه الشهير “الجماعات المتخيلة: تأملات حول أصل القومية وانتشارها”، تُبنى الدول أو “الجماعات المتخيلة” اجتماعياً، لأنه ليس من الضروري أن يعرف جميع أفراد نظام الحكم بعضهم بعضا، ولكن يجمعهم تاريخ وتجربة مشتركان. وينطبق هذا الأمر على “هيئة تحرير الشام” التي تقوم منذ منتصف آب (أغسطس) بنشر “مواجز” عن مختلف المدن والقرى والمناطق الخاضعة لسيطرتها، من خلال هيكلية حوكمتها البلدية، “إدارة المناطق المحررة”. وبالتالي، يبدو أن “هيئة تحرير الشام” تحاول بناء رابط بين مختلف المناطق الخاضعة لسيطرتها مستخدمة أحداثاً تاريخية فعلية، على أمل جمع سكان أراضيها لتصوير أوجه الشبه بينهم، وبالتالي إنشاء “مجتمع متخيل” ضمن نظام الحكم الذي تفرضه “الهيئة”.
وخلافاً لفكرة “الجماعة المتخيلة” التي تَحدّث عنها أندرسون سابقاً، وفي إطار الحملة التي يتم شنها، يُستخدم أسلوب الصحافة المطبوعة الذي يوحد الكثير من الدول الغربية تحت راية أفكار وروايات متشابهة؛ إلا أن ذلك يتم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي تلجأ إليها أشباه الدول الحديثة التي برزت في القرن الحادي والعشرين. على سبيل المثال، تقوم الحسابات الرسمية للإدارات البلدية المختلفة (أريحا، وأطمة، والمنطقة الوسطى، وحارم، وإدلب، وجسر الشغور، والمنطقة الشمالية وسرمدا) ضمن أراضي “هيئة تحرير الشام” بنشر هذه المواجز عبر منصة “تلغرام”. كما يتم نشر هذه المواجز على شكل صور ورسوم محددة بطبيعتها على غرار الطريقة التي يستخدمها الناشطون في الغرب لإصدار رسوم بيانية يسهل تلقيها ويقومون بمشاركتها على منصات مثل “إنستغرام” ويمكن نشرها على خاصية القصص، الأمر الذي يزيد من نسبة انتشارها عبر الإنترنت. وفيما يتعلق بإمكانية إعادة نشر المحتوى على منصات تتخطى “تلغرام” وتضم عددًا أكبر من المتابعين، فهي تسلط الضوء على الصراع الموازي الذي تخوضه “هيئة تحرير الشام” في العالم الواقعي لكسب شرعية محلية و/أو دولية لمشروعها بتأسيس مكانة سياسية لنفسها وبناء دولة، والتخلص من الصورة المحيطة بها على أنها هيئة متطرفة، ولكن ضمن خطاب أكثر قبولاً. وبالتالي، ليس من المستغرب أن توقف “هيئة تحرير الشام” مساعيها لإزالة اسمها من قائمة الإرهاب الأميركية لكي تصب تركيزها على توجيه الأدوات والمنشورات الإلكترونية التي تستخدمها إلى منصات أكثر شيوعاً مثل “تويتر،” ولا تبقى محصورة ضمن منصات غير معروفة على الإنترنت مثل رفاقها السابقين وأعدائها الحاليين في تنظيمي “داعش” و”القاعدة”.
تفاصيل المواجز
منذ 28 شباط (فبراير) 2023، تم نشر 39 موجزاً حول المواقع الآتية: إدلب، حارم، أريحا، الأتارب، سرمدا، سلقين، بنش، جسر الشغور، أطمة، تفتناز، كفر نجد، الدانا، دارة عزة، وادي مرتحون، أرمناز، بداما، قميناس، المرج الأخضر، منطف، حلوز، آفس، عقربات، كفر تخاريم، كفر كمين، كفر دريان، الناجية، كللي، حرنبوش، جبل الزاوية، كتيان، الدويلة، إحسم، كفر يحمول، ترمانين، ونهر العاصي، والينابيع التي تتميز بها منطقة جسر الشغور، ومهرجان الرمان في دركوش، وحمامات الشيخ عيسي، ونبذة عن الزلازل التي ضربت المنطقة بعد الزلزال الذي هز سورية والذي بلغت قوته 7.8 درجة على مقياس ريختر في 6 شباط (فبراير) 2023. وتؤكد هذه المواجز مدى اتساع الحملة التي ترمي إلى بناء “مجتمع متخيل” لا يقتصر على ضم أكبر المواقع وأكثرها شهرة ضمن الأراضي الخاضعة لسيطرة “هيئة تحرير الشام”.
في البداية، تُفصّل المواجز موقع المنطقة، وتذكر المدن والقرى القريبة منها، ومدى قربها من إدلب، وأحياناً ارتفاعها عن سطح البحر. وبهذه الطريقة، تُظهر كيفية ترابط جميع هذه المدن والقرى والمحلات ببعضها بعضا كوحدة سياسية واحدة، لكي تبني مجتمعةً ما يسمى بـ”المجتمع المتخيل”. وعلاوةً على ذلك، تسلط المواجز الضوء على الميزة الزراعية التي تتمتع بها المناطق ومصادر المياه الرئيسية فيها، في إشارة إلى أن “هيئة تحرير الشام” تحاول إظهار النجاح الذي حققته في توفير هذه الموارد لسكان المناطق التابعة لها. على سبيل المثال، وفقاً لأحد المواجز، تُعرف بلدة حارم بأشجارها وحدائقها؛ حيث يُزرع فيها المشمش والجوز والزيتون والتين. كما تتميز بكثرة المياه نظراً لأمطارها السنوية الغزيرة، إضافة إلى تواجد سبعة ينابيع تروي غوطتها الجميلة؛ وبسبب كثرة ينابيعها أطلق عليها مؤرخو العصر اسم “دمشق الصغرى”.
وتصف المواجز أيضاً المواقع التاريخية المهمة في كل منطقة، بما فيها الإنشاءات الحجرية القديمة المنحوتة، إضافة إلى أصول أسماء المدينة، غالباً باللغة الآرامية أو السريانية. ومن الواضح أن “هيئة تحرير الشام” تسعى إلى تسليط الضوء على التاريخ والثقافة الغنية التي تجعل المنطقة فريدة من نوعها، على أمل غرس مشاعر الفخر القومي في نفوس سكانها. على سبيل المثال، تم وصف أريحا على أنها مدينة قديمة وتضم بعض المواقع الأثرية التي يعود تاريخها إلى 5000 عام. وتحدثت المواجز عن مدينة الأتارب التي تقع بجوار قلعة رومانية أثرية هي دير عمان. كما وصفت دارة عزة (دار تعزة) بأنها “تحوي كهوفاً سكنية تعود إلى آلاف السنين إلى جانب آثار آرامية وبقايا أديرة ومساكن عائدة للحقبتين الرومانية والبيزنطية”. أما بالنسبة لأسماء المدن، فإن تسمية أرمناز بالسريانية تعني، على سبيل المثال، “أرض الملك ناز”، بينما ترجع تسمية بلدة “بداما” إلى اللغة الآرامية وتعني “وطن الأمة”.
أخيراً، تنتهي المواجز عن المدن أو القرى بشكل عام بتفصيل دورها في الثورة السورية، مع الإشادة بعزم المنطقة على مقاومة نظام الأسد والتضحيات التي قدمتها لدعم هذه القضية. وقد تشير هذه الفقرات إلى جهود “هيئة تحرير الشام” للتعبير عن امتنانها ورعايتها لشعبها والمعاناة التي يواجهها في خدمة الثورة، في إطار جهود أخرى تستخدم فيه القوة الناعمة لزيادة الدعم الشعبي للتنظيم الذي يحاول أن يكون رمزاً للثورة في حد ذاته. وعلى سبيل المثال، أشار الموجز عن بلدة الناجية إلى أنها “تعرضت لحركات نزوح كبيرة نتيجة قيام نظام الأسد بقصفها مراراً وتكراراً، بما في ذلك بالقنابل العنقودية والبراميل المتفجرة، وذلك عقاباً للأهالي على تمردهم على نظام الأسد”. أما بلدة كللي، “فشاركت في الثورة منذ انطلاقتها وتظاهر الكثير من أبنائها مطالبين بالعدالة وإسقاط نظام الأسد. وحالياً، تحتضن كللي العشرات من مخيمات النازحين”.
الخلاصة الرئيسية
تُمثل هذه المواجز عن المدن والقرى التي تنشرها “هيئة تحرير الشام” عبر قنواتها على وسائل التواصل الاجتماعي مسعى آخر تُستخدم فيه القوة الناعمة لزيادة التأييد الشعبي وبناء “مجتمع متخيل” أكثر قوة وتلاحماً في إطار مشروعها لبناء الدولة. وعلى الرغم من أنه لا يمكن معرفة مدى نجاح هذه المواجز في زيادة الدعم العام لـ”الهيئة”، إلا أن المنشورات تضفي بعداً مثيراً للاهتمام على الأساليب التي تتيح للمتمردين الذين ينتقلون إلى سلطة الدولة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لربط مناطقهم المختلفة، وتُوفر أساليب للسكان المحليين لكي يفتخروا بالتاريخ والثقافة الأوسع نطاقاً في مدنهم وقراهم ويعيدوا نشر المعلومات على منصات مثل “إنستغرام”. وبهذه الطريقة، تربط المواجز جهود “هيئة تحرير الشام” في العالم الحقيقي لكسب الشرعية بالحملات التي تشنها عبر الانترنت لترسيخ المجتمع الذي أنشأته وتعزيز مكانتها كحاكمة لهذا النظام السياسي الناشئ.
“الغد”


























