في تاريخ الديكتاتوريات، قصص تحدثت عن خضوع زوجاتهم لجنون السلطة المطلقة، والتي حولتهم لطغاة، وكيف تماهت الزوجات في تغذية شهية الديكتاتور، بالإصرار على المضي إلى النهاية المحتومة لمصيره.
في القرن الماضي بصمات كثيرة لزوجات طغاةٍ عن مؤازرة أزواجهن، ودعونا في البداية نتذكر زوجة هتلر “إيفا براون” وموسوليني ” كلارا بيتاشي” ونيكولاي تشاوشيسكو “ألينا” وفرانسيسكو فرانكو “كارمن” وأوغستو بينوشيه “لوسيا” وغيرهم كثير في القارة الأوروبية من الحقبة السوفياتية في صربيا وألبانيا، إلى القارة الإفريقية مثل جويل تايلور زوجة الديكتاتور الليبيري تشارلز تايلور، وزوجة جوفينال هابياريمانا في رواندا “أغاثا كانزيغا” إلى آسيا مثل إميلدا ماركوس في الفيلبين.
استلهام دور «السيدة الأولى» عربياً
عربياً، سجل التاريخ المعاصر، أدوارا مشابهة لزوجات ديكتاتوريين عرب، في مصر وتونس أيام حكم المخلوعين مبارك وبن علي، لكن يبقى لزوجة الطاغية السوري بشار الأسد “أسماء الأخرس” دور يجمع مهام كل من سبقها في الظهور بابتسامة وشغف إنساني، يزور الوقائع ويُعيد الى الأذهان فيما تتشارك به مع من سبقها في هذه المقدمة على وجه الخصوص، بتقديم مظهر من مظاهر الإنسانية لنظام موغل بالتوحش على الطريقة الرواندية أو التشيلية والنازية والفاشية.
التشرنق بالدور
سيدة النظام السوري الأولى، التي اعتادت على الظهور بمقتنيات دور الأزياء الفاخرة، والتسوق من متاجر باهظة الثمن من لندن، في الوقت الذي كان زوجها وجيشه وعصاباته يمارسون عمليات القتل والاغتصاب للسوريات، وتحطيم بيئة الأطفال وقصف ساحات لهوهم ومخابزهم ومشافيهم بالبراميل المتفجرة والصواريخ الكيميائية، كانت في الوقت عينه تُجري عملية كبرى لاستعادة السيطرة على مكامن الاقتصاد السوري، ومعركتها مع ابن خال بشار الأسد “رامي مخلوف” في هذا المضمار ليست بعيدة، بل قريبة من هدف وضعه الأسد وزوجته لترتيب وراثة ابنهما “حافظ” للسلطة كأبيه، وهي أحلام تتفق ورغبة من سبقها في النادي العربي للديكتاتوريات في مصر وليبيا سابقاً.
وبالاستناد لمبدأ إغواء السلطة وشهوة القوة، فإن إعطاء قيمة تاريخية وحقيقية لدور أسماء الأسد في حقبة تغول الديكتاتور السوري على المجتمع السوري، له أهمية قصوى لنفي أي إشارة توحي أن هناك عاطفة إنسانية تتملكها زوجة الطاغية، وهي التي تعرف انشغال زوجها في الليل والنهار في حرمان الضحايا من أي جزء من الإنسانية، من أجل تبرير تمسكه بالسلطة المطلقة، لذا كان عليها التشرنق بالدور واختراع أدوار التلفيق الإنساني برفقة زوجها، وتجنيد الخدمات الدعائية التي يوفرها النظام السوري لهذا الغرض على الطريقة الغوبلزية من القرن الماضي، لكن سرعان ما تنهار هذه الدعاية من لحظة بثها لأسباب كثيرة، أهمها فرصة تلقي وانتشار المعلومة والخبر على غير ما كانت عليه في العقود الثلاثة الماضية.
أقنعة لا تُقنع الضحايا
من المعروف أيضاً، أن جميع الطغاة وزوجاتهم، لا يمتلكون القدرة على التفكير بشكل صحيح، وسواء كانت زوجة بوكاسا أو سالازار، من ديكتاتوريات القرن العشرين، أو إذا كانت السيدة الأولى لنظام ديكتاتوري في القرن الحالي مثل أسماء الأسد، فهي تحمل اعتقادا راسخا أن أولئك الذين ثاروا على زوجها ونظام حكمه الفاسد والدموي، أنهم يستحقون البراميل المتفجرة والموت في المعتقلات تحت التعذيب، لأنهم طالبوا بحريتهم، وبديمقراطية ومواطنة تُنهي القمع ونهب الموارد.
لا أحد يصدق أن خلف هذا الوجه “الإنساني” لسيدة الطاغية السوري جهلاً بما أقدم عليه زوجها، وأنها لم تسمع صرخات السوريين من شرفة قصرها، وهي تشاهد حمم النار والصواريخ تسقط على رؤوسهم، ولم تسمع صرخات السوريين عندما قُطعت أجسادهم في المسالخ البشرية التي يديرها زوجها وعصاباته الطائفية المستوردة لزهق أرواحهم، لم تشاهد صور قيصر، ولا حفرة الإعدام في حي التضامن، ولا مجازر الكيميائي والسارين والكلور في الغوطة وخان شيخون وداريا والقصير ونهر قويق، فبعد كل ظهور لها مرتدية قناع التزييف الإنساني، تنهال رسائل مطالبتها بكشف نظامها عن مصير عشرات الأطفال المعتقلين مع أمهاتهم وآبائهم وبنشر قوائم بأسماء الأطفال والنساء الذين اعتقلوا على حواجز نظام الأسد، عدا عن تكرار بث عشرات الأفلام للأطفال المفجوعين بعد قصف طيران الأسد لمناطق ومدن سورية يتمت آلاف الأطفال ومسحت من الوجود أسر بكاملها.
نمو دور أسماء الأسد في الآلة القمعية للنظام السوري في السنوات الأخيرة، أكسبتها سمعة رديئة بجانب من أزاحته من طريقها “رامي مخلوف” والذي كان أحد أدوات الأسد الاقتصادية المتسلطة على رقاب السوريين، فتظهر زوجة الديكتاتور حريصة على ضحية من ضحايا الزلزال تارةً، أو بقرب جريح من جرحى جيش زوجها تارةً أخرى، بعد عودته من مهمة زهق أرواح لنساء وأطفال دمر الجيش قراهم وبلداتهم وشرد ملايين الضحايا الذين يُنكر الأسد وزوجته حدوثها، ابتسامتها في وجه الطفلة ضحية الزلزال قبل أسابيع، مع تشكيل “قلب” يرمز للحب ثم إهداء الطفلة لنسخةٍ من القرآن، استخلاص للأفكار غير الأخلاقية وغير الإنسانية، وهي تدفع لأقصى الحدود التزييف المزعوم في وضع جهدها في خدمة الآخرين مثل زوجها، وبتصميم سخيف على إظهار الديكتاتور السوري وزوجته مهتمين للغاية بضحيةٍ تُنقذهم من مغطس دم السوريين، الذين اكتشفوا أي وحشٍ يواجهون بإسقاطهم أسطورة أبد الطاغية وتعطش زوجته لارتداء أقنعة تُقنع السوريين بوريثها “حافظ” بتزوير شراسة زوجها.
كاتب فلسطيني
“القدس العربي”


























