الحديث عن الشراكة الروسية الإيرانية في الإعلام الغربي والروسي المعارض، يستبطن دائماً نوعاً من الإستهجان والسؤال عن متانته. ويتصدر هذا التساؤل عناوين نصوص الإعلام التي تتحدث عن العلاقة الروسية الإيرانية، حيث تتنوع بين: “موسكو وطهرن: ما مدى قوة التقارب”؛ “علاقات حتى الخيانة الأولى”؛ “شركاء في الحاجة”؛ “واشنطن تدفع طهران للتحالف مع موسكو”؛ ماذا يعطي روسيا التقارب مع إيران؟”. هذه العناوين جاءت على مدى سنوات من متابعة الإعلام للعلاقات الروسية الإيرانية. وتشير متون النصوص التي تحملها إلى أنه لا السياق التاريخي للعلاقة بين البلدين، ولا الوعي الإجتماعي فيهما يؤدي لصالح هذه العلاقة. ويرى خبراء غربيون في شؤون إيران والشرق الأوسط أن العلاقة هي نتاج صداقة شخصية بين خامنئي الذي يحكم إيران منذ 34 سنة وبوتين الذي يحكم روسيا منذ 23 سنة، أي أنها علاقة يحتاجها كل منهما لأسبابه في تدعيم سلطته وتوجهاتها.
موقع الخدمة الروسية في إذاعة “صوت أميركا” نشر في 15 الجاري نصاً بعنوان “موسكو وطهران: ما مدى قوة التقارب”، وأرفقه بآخر ثانوي “ما الذي يحرك التعاون الثنائي الإيراني الروسي اليوم، وما هي حدود تطوره من وجهة نظر موسكو وطهران؟”.
ينطلق النص من تأكيد موسكو وطهران على تجديد “إتفاقية التعاون الإستراتيجي” لمدة 20 سنة جديدة، بعد ان انتهى تاريخ الإتفاقية الأولى التي تم التوقيع عليها العام 2001. ويقول الموقع بأن النسخة الجديدة من الإتفاقية، وكما يرى الخبراء، لن تركز على تطوير التعاون الإقتصادي فقط، بل وعلى تطوير العلاقات العسكرية، وهو ما يؤكده التعاون الراهن بين البلدين في هذا المجال.
وعلى الرغم من الحروب الروسية الفارسية التي تخللت تاريخ العلاقة بين البلدين منذ القرن السادس عشر والتناقضات أيام سلطة البلاشفة، يتساءل الموقع على لسان المراقبين عن ما يحرك التعاون الثنائي اليوم بين البلدين وما هي حدوده. ويرى أن العلاقات بين البلدين تركزت في العقود التاريخية الأخيرة على الطاقة وبعض الجوانب الإقتصادية، لكن تعاون الدولتين كان بالأساس في الحقل النووي والأمن. إلا أن من المبالغة الحديث عن تقارب إستراتيجي بين موسكو وطهران اليوم، حسب ما ينقل الموقع عن الباحث الزائر في معهد الشرق الوسط بواشنطن محمود ساريول غلام. ويرى الباحث أن اللحظة الحاسمة في تحول إيران “نوعاً ما” بإتجاه روسيا، حلت مع خروج الولايات المتحدة من “الصفقة النووية”.
ويرى الباحث أنه كان من الواضح أن الصفقة النووية تلزم إيران بتغيير توجه سياستها الخارجية في الشرق الأوسط. وإستغل العسكريون والأمنيون الإيرانيون الخروج من الصفقة لإقناع الإستابلشمنت الإيراني بأنه قد حلت لحظة التحول في السياسة الخارجية من الولايات المتحدة بإتجاه روسيا. وبرأيه توفر الخطوة بالفعل لإيران ميزات في حقل الطاقة بتخليها عن التكنولوجيات الأوروبية والأميركية. وعدا إمكانيات تطور التعاون في الحقل العسكري، خاصة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، يعدد الباحث أفضليات يوفرها لإيران “التحالف” مع موسكو: حق روسيا بالفيتو في الأمم المتحدة؛ أدوات المراقبة الرقمية التي توفرها روسيا لإيران، سيما في الأمن الداخلي؛ والأهم من كل ذلك إستعداد روسيا لمشاركة إيران في معلومات المخابرات عن الولايات المتحدة.
يتوسع الباحث، حسب ما ينقل عنه الموقع، في سرد تفاصيل رفض المجتمع الإيراني للتعاون مع روسيا، ويقول بأن ذكر روسيا لا يرد عملياً في الصحافة والتلفزة الإيرانية. ولا يختلف رأي المجتمع الإيراني بالصين عن رأيه بروسيا. وتحاول القيادة الإيرانية نفسها عدم ذكر البلدين، وتبرر التقارب معهما بالقول أن العالم يتغير وتحتل فيه الصين وروسيا موقعاً متقدماً، و”تضطر إيران للتأقلم مع هذا الوضع”.
كما ينقل الموقع عن الباحثة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط آنا بورشيفسكايا قولها بأن ذاكرة إيران التاريخية كانت تجعل مشاعر الخوف وعدم الثقة هي الغالبة في الموقف من روسيا. إضافة إلى الوضع في جنوب القفقاز، قد تتسبب في تعقيد العلاقات أيضاً بين روسيا وإيران مسألة تقاسم الموارد الإقتصادية في سوريا. وقد تحصل روسيا على صفقات رابحة في مجالي الفوسفات والسياحة.
تشير الباحثة إلى أن التقارب مع إيران لم يكن يحظى بتأييد كبير في روسيا. وكان الرأي العام الروسي منقسماً حول إستمرار موسكو في دعم إيران في الحقل النووي. ولم ترجح كفة التأييد للتعاون مع إيران إلا بعد أن أصبحت الولايات المتحدة بلداً عدواً في التصور الإجتماعي الروسي.
الأسبوعية الروسية zvezdaweekly التي تشرف عليها وزارة الدفاع، نشرت في 6 الجاري نصاً بعنوان “”الحلف” الثلاثي بين موسكو وبكين وطهران، أو كابوس جوزيف بايدن”، وأرفقته بآخر ثانوي “واشنطن المشغولة بإستعمار أوروبا والحرب في أوكرانيا، لم تلاحظ كيف أخذت تفقد الشرق الأوسط”.
قدمت الأسبوعية لنصها بالقول أنه في اليوم عينه الذي كان يجري اللقاء بين وزيري خارجية روسيا وإيران للإعداد للإتفاقية الشاملة حول التعاون الإستراتيجي، كان مجلس الوزراء السعودي يوافق على مذكرة الإنضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون. والتقارب المتواصل بين دول الشرق الوسط الرئيسية مع روسيا والصين، يثير قلقاً جدياً لدى قادة الدول الغربية الذين يتراءى لهم حلف ثلاثي بين موسكو وطهران وبكين.
تقول الأسبوعية أن التقارب الروسي الإيراني بدأ في العام 2014، وأصبح النقطة الفاصلة في العلاقات مع الغرب بسبب الإنقلاب في أوكرانيا. وكرر بوتين أكثر من مرة أن أحداث تلك السنة بالذات افضت “بنا” إلى العملية العسكرية الخاصة الحالية. في العام 2023 الجاري ألغى بوتين الحظر على تزويد إيران بصواريخ الدفاع الجوي S- 300، وهو ما وضع البداية للتعاون التقني العسكري بين موسكو وطهران.
حتى العام 2021 لم تكن تستورد روسيا من إيران سوى السلع الزراعية. والسبب في ذلك أن قسماً من النخبة الروسية ذات التوجه الغربي، كانت تؤكد أن لا شيئ يمكن إستيراده من إيران سوى الفستق والتمور والسجاد العجمي. لكن البوليتولوغ من الأكاديمية الدبلوماسية في الخارجية الروسية سيرغي جيلتسوف يقول أنه، وبعكس روسيا التي لا تنتج سوى أنابيب الغاز متدنية أو متوسطة السعة، تتمكن إيران بواسطة الترخيص الذي تحتفظ به من شركة سيمنس من إنتاج أنابيب كبيرة السعة.
تنقل الأسبوعية عن رئيس هيئة الأركان الموحدة للجيوش الأميركية مارك ميللي قوله بأن تقارب روسيا والصين وإيران يخلق للولايات المتحدة “مشاكل جدية لسنوات طويلة”. لكنها تستدرك بأن ذلك لن يكون قريباً لأن قادة الدول الثلاث لا يسعون إلى الإندماج العميق. وتنقل عن عدد من المتخصصين الروس بالشؤون السياسية قولهم بأن إيران، ولدى بحثها في عقد أحلاف عسكرية إستراتيجية جدية، تنطلق من الدوغما الدينية. وروسيا بنظر القيادة الإيرانية الدينية هي مجتمع ملحدي الأمس. إضافة إلى ذلك، الإيرانيون لا يثقون كلياً بموسكو، بعد أن بدل الكرملين موقفه كثيراً بطلب من الإسرائيليين بشأن تزويد إيران بالأسلحة الجديدة.
وتؤكد الأسبوعية بأن التعاون العسكري بين روسيا وإيران هو الآن “واقع لا يمكن دحضه”. وعند هذا، لا تنسى أن تكرر نفي إستخدام الجيش الروسي المسيرات الإيرانية في الحرب على أوكرانيا، وهو ما دأبت روسيا على ترداده منذ أن شاع نبأ استيرادها لتلك المسيرات.
“المدن”


























